الرجوع الى الرئيسية>>>

 

المجلد الثاني زواجه  ونسب خديجه والحروب التي شهدها

‏‏[‏‏تابع‏‏:‏‏ حرب الفجار‏‏]‏‏

 قائد قريش وكنانة

وكان قائد قريش وكنانة حرب بن أمية بن عبد شمس ، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة ، حتى إذا كان في وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وحديث الفجار أطول مما ذكرت ، وإنما منعني من استقصائه قطعه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏

 حديث تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها

 سنه صلى الله عليه وسلم حين زواجه

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة ، تزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ، فيما حدثني غير واحد من أهل العلم عن أبي عمرو المدني ‏‏.‏‏

 خروجه صلى الله عليه وسلم إلى التجارة بمال خديجة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه ، بشيء تجعله لهم ، وكانت قريش قوما تجارا ؛ فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها ، من صدق حديثه ، وعظم أمانته ، وكرم أخلاقه ، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار ، مع غلام لها يقال له ميسرة ، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ، وخرج في مالها ذلك ، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام ‏‏.‏‏

 حديثه صلى الله عليه وسلم مع الراهب

فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان ، فاطلع الراهب إلى ميسرة ، فقال له ‏‏:‏‏ من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة ‏‏؟‏‏ قال له ميسرة ‏‏:‏‏ هذا رجل من قريش من أهل الحرم ؛ فقال له الراهب ‏‏:‏‏ ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ‏‏.‏‏

ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها ، واشترى ما أراد أن يشتري ، ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة ‏‏.‏‏ فكان ميسرة - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرة واشتد الحر ، يرى ملكين يظلانه من الشمس - وهو يسير على بعيره - فلما قدم مكة على خديجة بمالها ، باعت ما جاء به ، فأضعف أو قريبا ‏‏.‏‏ وحدثها ميسرة عن قول الراهب ، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه ‏‏.‏

 خديجة ترغب في الزواج منه صلى الله عليه وسلم

وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة ، مع ما أراد الله بها من كرامته ، فلما أخبرها ميسرة مما أخبرها به بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت له - فيما يزعمون - ‏‏:‏‏ يا ابن عم ، إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك ، وصدق حديثك ، ثم عرضت عليه نفسها ‏‏.‏

وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا ، وأعظمهن شرفا ، وأكثرهن مالا ؛ كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه ‏‏.‏‏

 نسب خديجة رضي الله عنها

وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ‏‏.‏‏

وأمها ‏‏:‏‏ فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر ‏‏.‏‏

وأم فاطمة ‏‏:‏‏ هالة بنت عبد مناف بن الحارث بن عمرو بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عمر بن لؤي بن غالب بن فهر ‏‏.‏‏

وأم هالة ‏‏:‏‏ قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ‏‏.‏‏

 الرسول صلى الله عليه وسلم يتزوج من خديجة بعد استشارة أعمامه

فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لأعمامه فخرج معه عمه حمزة بن عبدالمطلب ، رحمه الله ، حتى دخل على خويلد ابن أسد ، فخطبها إليه ، فتزوجها ‏‏.‏‏

 

صداق خديجة

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة ، وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت ، رضي الله عنها ‏‏.‏‏

 

أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم - إلا إبراهيم - القاسمَ ، وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم ، والطاهر ، والطيب ، وزينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، وفاطمة ، عليهم السلام ‏‏.‏‏

 

ترتيب ولادتهم

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أكبر بنيه القاسم ، ثم الطيب ، ثم الطاهر ؛ وأكبر بناته رقية ، ثم زينب ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فأما القاسم ، والطيب ، والطاهر ، فهلكوا في الجاهلية ؛ وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام ، فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏

 

إبراهيم وأمه

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وأما إبراهيم فأمه مارية القبطية ‏‏.‏‏

حدثنا عبدالله بن وهب عن ابن لهيعة ، قال ‏‏:‏‏ أم إبراهيم ‏‏:‏‏ مارية سرية النبي صلى الله عليه وسلم التي أهداها إليه المقوقس من حفن من كورة أنصنا ‏‏.‏‏

 ورقة يتنبأ له صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل ابن أسد بن عبدالعزى - وكان ابن عمها ، وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس - ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب ، وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه ؛ فقال ورقة ‏‏:‏‏ لئن كان هذا حقا يا خديجة ، إن محمدا لنبي هذه الأمة ، وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر ، هذا زمانه ، أو كما قال ‏‏.‏‏

 شعر لورقة

فجعل ورقة يستبطىء الأمر ويقول ‏‏:‏‏ حتى متى ‏‏؟‏‏ فقال ورقة في ذلك ‏‏:‏‏

لججت وكنت في الذكرى لجوجا * لهمّ طالما بعث النشيجا

ووصف من خديجة بعد وصف * فقد طال انتظاري يا خديجا

ببطن المكتين على رجائي * حديثك أن أرى منه خروجا ‏

بما خبرتنا من قول قس * من الرهبان أكره أن يهوجا

بأن محمدا سيسود فينا * ويخصم من يكون له حجيجا

ويظهر في البلاد ضياء نور * يقيم به البرية أن تموجا

فيلقى من يحاربه خسارا * ويلقى من يسالمه فلوجا

فيا ليتي إذا ما كان ذاكم * شهدت فكنت أولهم ولوجا

ولوجا في الذي كرهت قريش * ولو عجت بمكتها عجيجا

أرجي بالذي كرهوا جميعا * إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا

وهل أمر السفالة غير كفر * بمن يختار من سمك البروجا

فإن يبقوا وأبق تكن أمور * يضج الكافرون لها ضجيجا

وإن أهلك فكل فتى سيلقى * من الأقدار متلفة حروجا

حديث بنيان الكعبة وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش في وضع الحجر

 سبب هذا البنيان

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة ، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة ، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها ، وإنما كانت رضما فوق القامة ، فأرادوا رفعها وتسقيفها ، وذلك أن نفرا سرقوا كنزا للكعبة ، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة ، وكان الذي وجد عنده الكنز دويكا مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ فقطعت قريش يده ‏‏.‏‏

وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك ‏‏.‏‏

وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم ، فتحطمت ، فأخذوا خشبها ، فأعدوه لتسقيفها ، وكان بمكة رجل قبطي نجار ، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحه ‏‏.‏‏ وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم ، فتتشرق على جدار الكعبة ، وكانت مما يهابون ، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها ، وكانوا يهابونها ‏‏.‏‏

فبينا هي ذات يوم تتشرق على جدار الكعبة ، كما كانت تصنع ، بعث الله إليها طائرا فاختطفها ، فذهب بها ؛ فقالت قريش ‏‏:‏‏ إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا ، عندنا عامل رفيق ، وعندنا خشب ، وقد كفانا الله الحية ‏‏.‏‏

أبو وهب خال أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حدث له عند بناء الكعبة

فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها ، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ عائذ بن عمران بن مخزوم - فتناول من الكعبة حجرا ، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه ، فقال ‏‏:‏‏ يا معشر قريش ، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا ، لا يدخل فيها مهر بغي ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد من الناس ‏‏.‏‏

والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقد حدثني عبدالله بن أبي نجيح المكي أنه حدث عن عبدالله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ‏‏:‏‏

أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو يطوف بالبيت ، فسأل عنه ، فقيل ‏‏:‏‏ هذا ابن لجعدة بن هبيرة ؛ فقال عبدالله بن صفوان عند ذلك ‏‏:‏‏ جد هذا ، يعني أبا وهب ، الذي أخذ حجرا من الكعبة حين أجمعت قريش لهدمها فوثب من يده ، حتى رجع إلى موضعه ، فقال عند ذلك ‏‏:‏‏ يا معشر قريش ، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا ، لا تدخلوا فيها مهر بغي ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد ، من الناس ‏‏.‏‏

 شعر في أبي وهب

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وأبو وهب خال أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان شريفا ، وله يقول شاعر من العرب ‏‏:‏‏

ولو بأبي وهب أنخت مطيتي * غدت من نداه رحلها غير خائب

بأبيض من فرعَيْ لؤي بن غالب * إذا حصلت أنسابها في الذوائب

أبيّ لأخذ الضيم يرتاح للندى * توسط جداه فروع الأطايب

عظيم رماد القدر يملا جفانه * من الخبز يعلوهن مثل السبائب

 نصيب قبائل قريش في تجزئة الكعبة

ثم إن قريشا جزأت الكعبة ، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة ، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم ، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم ، ابني عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ، وكان شق الحجر لبني عبدالدار بن قصي ، ولبني أسد بن عبدالعزى بن قصي ، ولبني عدي بن كعب بن لؤي ، وهو الحطيم ‏‏.‏‏

 الوليد بن المغيرة يبدأ بهدم الكعبة

ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه ، فقال الوليد بن المغيرة ‏‏:‏‏ أنا أبدؤكم في هدمها ، فأخذ المعول ، ثم قام عليها ، وهو يقول ‏‏:‏‏ اللهم لم ترع - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ لم نزغ - اللهم إنا لا نريد إلا الخير ‏‏.‏‏ ثم هدم من ناحية الركنين ، فتربص الناس تلك الليلة ، وقالوا ‏‏:‏‏ ننظر ، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت ، وإن لم يصبه شيء ، فقد رضي الله صنعنا ، فهدمنا ‏‏.‏‏

فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله ، فهدم وهدم الناس معه ، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس ، أساس إبراهيم عليه السلام ، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة آخذ بعضها بعضا ‏‏.‏‏

 امتناع قريش عن هدم الأساس وسببه

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني بعض من يروي ‏‏:‏‏ الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها ، أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما ، فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها ، فانتهوا عن ذلك الأساس ‏‏.‏‏

 الكتاب الذي وجد في الركن

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية ، فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود ، فإذا هو ‏‏:‏‏ أنا الله ذو بكة ، خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض ، وصورت الشمس والقمر ، وحففتها بسبعة‏ أملاك حنفاء ، لا تزول حتى يزول أخشباها ، مبارك لأهلها في الماء واللبن ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أخشباها ‏‏:‏‏ جبلاها ‏‏.‏‏

 الكتاب الذي وجد في المقام

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه ‏‏:‏‏ مكة بيت الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سبل ، لا يحلها أول من أهلها ‏‏.‏‏

 حجر الكعبة المكتوب عليه العظة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وزعم ليث بن أبي سليم أنهم وجدوا حجرا في الكعبة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة ، إن كان ما ذكر حقا ، مكتوبا فيه ‏‏:‏‏ من يزرع خيرا يحصد غبطة ، ومن يرزع شرا يحصد ندامة ‏‏.‏‏ تعملون السيئات ، وتجزون الحسنات ‏‏!‏‏ أجل ، كما لا يجتنى من الشوك العنب ‏‏.‏‏

 الاختلاف بين قريش في وضع الحجر

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها ، كل قبيلة تجمع‏ على حدة ، ثم بنوها ، حتى بلغ البنيان موضع الركن ، فاختصموا فيه ، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى ، حتى تحاوزوا وتحالفوا ، وأعدوا للقتال ‏‏.‏‏

لعقة الدم

فقربت بنو عبدالدار جفنة مملوءة دما ، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت ، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة ، فسموا لعقة الدم ‏‏.‏‏

فمكث قريش أربع ليال أو خمسا ، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد ، وتشاوروا وتناصفوا ‏‏.‏‏

 

أبو أمية بن المغيرة يجد حلا

فزعم بعض أهل الرواية ‏‏:‏‏ أن أبا أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، وكان عامئذ أسن قريش كلها ؛ قال ‏‏:‏‏ يا معشر قريش ، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ، ففعلوا ‏‏.‏‏

 الرسول صلى الله عليه وسلم يضع الحجر

فكان أول داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما رأوه قالوا ‏‏:‏‏ هذا الأمين ، رضينا ، هذا محمد ؛ فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر ، قال صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ هلم إلي ثوبا ، فأتى به ، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ، ثم قال ‏‏:‏‏ لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم ارفعوه جميعا ، ففعلوا ‏‏:‏‏ حتى إذا بلغوا به موضعه ، وضعه هو بيده ، ثم بني عليه ‏‏.‏‏

وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قبل أن ينزل عليه الوحي ‏‏:‏‏ الأمين ‏‏.‏‏

 شعر الزبير في الحية التي كانت تمنع قريش من بنيان الكعبة

فلما فرغوا من البنيان ، وبنوها على ما أرادوا ، قال الزبير بن عبدالمطلب ، فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها ‏‏:‏‏

عجبت لما تصوبت العقاب * إلى الثعبان وهي لها اضطراب

وقد كانت يكون لها كشيش * وأحيانا يكون لها وثاب

إذا قمنا إلى التأسيس شدت * تهيبنا البناء وقد تهاب

فلما أن خشينا الرجز جاءت * عقاب تتلئب لها انصباب

فضمتها إليها ثم خلت * لنا البنينان ليس له حجاب

فقمنا حاشدين إلى بناء * لنا منه القواعد والتراب

غداة نرفع التأسيس منه * وليس على مسوينا ثياب

أعز به المليك بني لؤي * فليس لأصله منهم ذهاب

وقد حشدت هناك بنو عدي * ومرة قد تقدمها كلاب

فبوأنا المليك بذاك عزا * وعند الله يلتمس الثواب ‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويروي ‏‏:‏‏

وليس على مساوينا ثياب *

 ارتفاع الكعبة وكسوتها

وكانت الكعبة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة ذراعا ، وكانت تكسى القباطي ، ثم كسيت البرود ، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف ‏‏.‏‏

 حديث الحمس

 قريش تبتدع الحمس

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقد كانت قريش - لا أدري أقبل الفيل أم بعده - ابتدعت رأي الحمس رأيا رأوه وأداروه ؛ فقالوا ‏‏:‏‏ نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة ، وولاة البيت ، وقطان مكة وساكنها ، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ، ولا مثل منزلتنا ، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا ، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم ، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم ، وقالوا قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم ‏‏.‏‏

فتركوا الوقوف على عرفة ، والإفاضة منها ، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها ، و أن يفيضوا منها ، إلا أنهم قالوا ‏‏:‏‏ نحن أهل الحرم ، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس ، والحمس أهل الحرم ، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم ، بولادتهم إياهم ، يحل لهم ما يحل لهم ، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم ‏‏.‏‏

 القبائل التي آمنت مع قريش بالحمس

وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وحدثني أبو عبيد النحوى ‏‏:‏‏ أن بني عامر بن صعصة بن معاوية بن بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك ، وأنشدني لعمرو بن معد يكرب ‏‏:‏‏

أعباس لو كانت شيارا جيادنا * بتثليث ما ناصيت بعدي الأحامسا

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ تثليث ‏‏:‏‏ موضع من بلادهم ‏‏.‏‏ والشيار ‏‏:‏‏ السمان الحسان ‏‏.‏‏ يعني بالأحامس ‏‏:‏‏ بني عامر بن صعصعة ‏‏.‏‏ وبعباس ‏‏:‏‏ عباس بن مرداس السلمي ، وكان أغار على بن زبيد بتثليت ‏‏.‏‏ وهذا البيت من قصيدة لعمرو ‏‏.‏‏

وأنشدني للقيط بن زرارة الدارمي في يوم جبلة ‏‏:‏‏

أجذم إليك إنها بنو عبس * المعشر الجلة في القوم الحمس

لأن بني عبس كانوا يوم جبلة حلفاء في بني عامر بن صعصعة ‏‏.‏‏

 يوم جبلة

ويوم جبلة ‏‏:‏‏ يوم كان بين بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وبين بني عامر بن صعصعة ، فكان الظفر فيه لبني عامر بن صعصعة على بني حنظلة ، وقتل يومئذ لقيط بن زرارة بن‏ عدس ، وأسر حاجب بن زرارة بن عدس ، وانهزم عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبدالله ابن دارم بن مالك بن حنظلة ‏‏.‏‏ ففيه يقول جرير للفرزدق ‏‏:‏‏

كأنك لم تشهد لقيطا وحاجبا * وعمرو بن عمرو إذ دعوا يالدارمِ

وهذا البيت في قصدية له ‏‏.‏‏

 يوم ذي نجب

ثم التقوا يوم ذي نجب ، فكان الظفر لحنظلة على بني عامر ، وقتل يومئذ حسان بن معاوية الكندي ، وهو ابن كبشة ‏‏.‏‏ وأُسر يزيد بن الصعق الكلابي وانهزم الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب ، أبو عمر بن الطفيل ‏‏.‏‏ ففيه يقول الفرزدق ‏‏:‏‏

ومنهن إذ نجى طفيل بن مالك * على قرزل رجلا ركوض الهزائم

ونحن ضربنا هامة ابن خويلد * نزيد على أم الفراخ الجواثم

وهذان البيتان في قصيدة له ‏‏.‏‏

فقال جرير ‏‏:‏‏

ونحن خضبنا لابن كبشة تاجه * ولاقى امرأ في ضمة الخيل مصقعا

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

وحديث يوم جبلة ويوم ذي نجب أطول مما ذكرنا ‏‏.‏‏ وإنما منعني من استقصائه ما ذكرت في حديث يوم الفجار ‏‏.‏‏

 ما زادته قريش في الحمس

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن لهم ، حتى قالوا ‏‏:‏‏ لا ينبغي للحمس ان يأتقطوا الأقط ، ولا يسئلوا السمن وهم حرم ، ولا يدخلوا بيت من شعر ، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما ، ثم رفعوا في ذلك ، فقالوا ‏‏:‏‏ لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم ، إذا جاءوا حجاجا أو عمارا ، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس ، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة ‏‏.‏‏

 اللقى عند الحمس

فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ، ولم يجدوا ثياب الحمس ، فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ، ألقاها إذا فرغ من طوافه ، ثم لم ينتفع بها ، ولم يمسها هو ، ولا أحد غيره أبدا ‏‏.‏‏

وكانت العرب تسمى تلك الثياب اللقى ‏‏.‏‏ فحملوا على ذلك العرب ، ‏فدانت به ‏‏.‏‏ ووقفوا على عرفات ، وأفاضوا منها ، وطافوا بالبيت عراة ‏‏:‏‏ أما الرجال فيطوفون عراة ، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعا مفرجا عليها ، ثم تطوف فيه ‏‏.‏‏

فقالت امرأة من العرب ، وهي كذلك تطوف بالبيت ‏‏:‏‏

اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله

ومن طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحل ألقاها ، فلم ينتفع بها هو ولا غيره ‏‏.‏‏

فقال قائل من العرب يذكر شيئا تركه من ثيابه فلا يقربه ، وهو يحبه ‏‏:‏‏

كفى حزنا كري عليها كأنها * لقى بين أيدي الطائفين حريم

يقول ‏‏:‏‏ لا تمس ‏‏.‏‏

 الإسلام يبطل عادات الحمس

فكانوا كذلك حتى بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ، فأنزل عليه حين أحكم له دينه ، وشرع له سنن حجه ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ، إن الله غفور رحيم ‏‏)‏‏ يعني قريشا ‏‏.‏‏ والناس ‏‏:‏‏ العرب ‏‏.‏‏ فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها ‏‏.‏‏

وأنزل الله عليه فيما كانوا حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت ، حين طافوا عراة ، وحرموا ما جاءوا به من الحل من الطعام ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ، إنه لا يحب المسرفين ‏‏.‏‏ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ‏‏.‏‏ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏

فوضع الله تعالى أمر الحمس ، وما كانت قريش ابتدعت منه على الناس بالإسلام ، حين بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏

 

الرسول صلى الله عليه وسلم يخالف الحمس قبل الرسالة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم ، عن عمه نافع بن جبير ، عن أبيه جبير بن مطعم ، قال ‏‏:‏‏ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قبل أن ينزل عليه الوحي ، وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها توفيقا من الله له ، صلى الله عليه و آله وسلم تسليما كثيرا ‏‏.‏‏

 إخبار الكهان من العرب ، والأحبار من يهود ، والرهبان من النصارى ببعثته صلى الله عليه وسلم

 الكهان والأحبار والرهبان يتحدثون بمبعثه

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكانت الأحبار من يهود ، والرهبان من النصارى ، والكهان من العرب ، قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ، لما تقارب من زمانه ‏‏.‏‏

أما الأحبار من يهود ، والرهبان من النصارى ، فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه ، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه ‏‏.‏‏

وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع ، إذ كانت هي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم ‏‏.‏‏ وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره ، لا تلقي العرب لذلك فيه بالا ، حتى بعثه الله تعالى ، ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون ، فعرفوها ‏‏.‏‏

 قذف الجن بالشهب دلالة على مبعثه صلى الله عليه وسلم

فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه ، حجبت الشيطان عن السمع ، وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها ، فرموا بالنجوم ، فعرفت الجن أن ذلك لأمر حدث من أمر الله في العباد ‏‏.‏‏

يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم حين بعثه ، وهو يقص عليه خبر الجن إذ حجبوا عن السمع ، فعرفوا ما عرفوا ، وما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن ، فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ‏‏.‏‏ يهدي إلى الرشد ، فآمنا به ، ولن نشرك بربنا أحدا ‏‏.‏‏ وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ‏‏.‏‏ وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ‏‏.‏‏ وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ‏‏.‏‏ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن‏ فزادوهم رهقا ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى قوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ‏‏.‏‏ وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ، أم أراد بهم ربهم رشدا ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها إنما منعت من السمع قبل ذلك ، لئلا يشكل الوحي بشيء من خبر السماء فيلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله فيه ، لوقوع الحجة ، وقطع الشبهة ‏‏.‏‏ فآمنوا وصدقوا ، ثم ‏‏(‏‏ ولوا إلى قومهم منذرين ‏‏.‏‏ قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ، يهدي إلى الحق ، وإلى طريق مستقيم ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ الآيات

وكان قول الجن ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ، فزادوهم رهقا ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ أنه كان الرجل من العرب من قريش وغيرهم إذا سافر فنزل بطن واد من الأرض ليبيت فيه ، قال ‏‏:‏‏ إني أعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة من شر ما فيه ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ الرهق ‏‏:‏‏ الطغيان والسفه ‏‏.‏‏ قال رؤبة بن العجاج ‏‏:‏‏

إذ تستبي الهيامة المرهقا *‏

وهذا البيت في أرجوزة له ‏‏.‏‏ والرهق أيضا ‏‏:‏‏ طلبك الشيء حق تدنو منه ، أو لا تأخذه ‏‏.‏‏ قال رؤبة بن العجاج يصف حمير وحش ‏‏:‏‏

بصبصن واقشعررن من خوف الرهق *

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وحدثني أبو عبيد النحوى ‏‏:‏‏ أن بني عامر بن صعصة بن معاوية بن بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك ، وأنشدني لعمرو بن معد يكرب ‏‏:‏‏

وهذا البيت في أرجوزة له ‏‏.‏‏ والرهق أيضا ‏‏:‏‏ مصدر لقول الرجل للرجل ‏‏:‏‏ رهقت الإثم أو العسر ، الذي أرهقتني رهقا شديدا ، أي حملت الإثم أو العسر الذي حملتني حملا شديدا ، وفي كتاب الله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

وقوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولا ترهقني من أمري عسرا ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 ثقيف أول من فزعت برمى الجن

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمي بها ، هذا الحي من ثقيف ، وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية ، أحد بني علاج - قال ‏‏:‏‏ وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا - فقالوا له ‏‏:‏‏ يا عمرو ‏‏:‏‏ ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ بلى ، فانظروا ، فإن كانت معالم النجوم التي يُهتدى بها في البر والبحر ، وتُعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء ، لما يُصلح الناس في معايشهم ، هي التي يرمى بها ، فهو والله طي الدنيا ، وهلاك هذا الخلق الذي فيها ؛ وإن كانت نجوما غيرها ، وهي ثابتة على حالها ، فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق ، فما هو ‏‏؟‏‏ ‏‏.‏‏

 الرسول يسأل الأنصار عن قولهم في رجم الجن بالشهب وتوضيحه للأمر

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وذكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب ، عن عبدالله بن العباس ، عن نفر من الأنصار ‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال لهم ‏‏:‏‏ ماذا كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ يا نبى الله كنا نقول حين رأيناها يرمى بها ‏‏:‏‏ مات مَلِك مُلِّك ملك ، ولد مولود مات مولود ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليس ذلك كذلك ولكن الله تبارك وتعالى كان إذا قضى في خلقه أمرا سمعه حمله العرش ، فسبحوا ، فسبح من تحتهم ، فسبح لتسبيحهم من تحت ذلك ، فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا ، فيسبحوا ثم يقول بعضهم لبعض مم سبحتم فيقولون سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم ؛ فيقولون ‏‏:‏‏ ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا ‏‏؟‏‏ فيقولون مثل ذلك ، حتى ينتهوا إلى حملة العرش ، فيقال لهم ‏‏:‏‏ مم سبحتم ‏‏؟‏‏ فيقولون ‏‏:‏‏ قضى الله في خلقه كذا وكذا ، للأمر الذي كان ؛ فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا ، فيتحدثوا به ، فتسترقه الشياطين بالسمع ، على توهم واختلاف ، ثم يأتوا به الكهان من أهل الأرض فيحدثوهم به فيخطئون ويصيبون فيتحدث به الكهان ، فيصيبون بعضا ويخُطئون بعضا ‏‏.‏‏

ثم إن الله عز وجل حجب الشياطين بهذه النجوم التي يُقذفون بها ، فانقطعت الكهانة اليوم ، فلا كهانة ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عمرو بن أبي جعفر ، عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي لبيبة ، عن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه بمثل حديث ابن شهاب عنه ‏‏.‏‏

 الغيطلة وصاحبها

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني بعض أهل العلم ‏‏:‏‏ أن امرأة من بني سهم ، يقال لها الغيطلة ، كانت كاهنة في الجاهلية ، فلما جاءها صاحبها في ليلة من الليالي ، فانقض تحتها ، ثم قال ‏‏:‏‏ أدر ما أدر ، يوم عقر ونحر ؛ فقالت قريش حين بلغها ذلك ‏‏:‏‏ ما يريد ‏‏؟‏‏ ثم جاءها ليلة أخرى ، فانقض تحتها ، ثم قال ‏‏:‏‏ شعوب ما شعوب ، تُصرع فيه كعب لجنوب ‏‏.‏‏ فلما بلغ ذلك قريشا ، قالوا ‏‏:‏‏ ماذا يريد ، إن هذا لأمر هو كائن ، فانظروا ما هو ‏‏؟‏‏ فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر واحد بالشعب ، فعرفوا أنه الذي كان جاء به إلى صاحبته ‏‏.‏

نسب الغيطلة

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ الغيطلة ‏‏:‏‏ من بني مرة بن عبد مناة بن كنانة ، إخوة مدلج ابن مرة ؛ وهي أم الغياطل الذين ذكر أبو طالب في قوله ‏‏:‏‏

لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بني خلف قيضا بنا والغياطل

فقيل لولدها ‏‏:‏‏ الغياطل ؛ وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص ‏‏.‏‏ وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى ‏‏.‏‏

 كاهن جنب يذكر خبر الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني علي بن نافع الجرشي ‏‏:‏‏ أن جنبا ‏‏:‏‏ بطنا من اليمن ، كان لهم كاهن في الجاهلية ، فلما ذُكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر في العرب ، قالت له جنب ‏‏:‏‏ انظر لنا في أمر هذا الرجل ، واجتمعوا له في أسفل جبله ؛ فنزل عليهم حين طلعت الشمس ، فوقف لهم قائما متكئا على قوس له ، فرفع رأسه إلى السماء طويلا ، ثم جعل ينـزو ، ثم قال ‏‏:‏‏ أيها الناس ، إن الله أكرم محمدا واصطفاه ، وطهر قلبه وحشاه ، ومكثه فيكم أيها الناس قليل ، ثم أسند في جبله راجعا من حيث جاء ‏‏.‏‏

 سواد بن قارب يحدث عمر بن الخطاب عن صاحبه من الجن

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني من لا أتهم عن عبدالله بن كعب ، مولى عثمان بن عفان ، أنه حدث ‏‏:‏‏ أن عمر بن الخطاب ، بينا هو جالس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ أقبل رجل من العرب داخلا المسجد ، يريد عمر بن الخطاب ؛ فلما نظر إليه عمر رضي الله عنه ، قال ‏‏:‏‏ إن هذا الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد ، ولقد كان كاهنا في الجاهلية ‏‏.‏‏ فسلم عليه الرجل ، ثم جلس ، فقال له عمر رضي الله عنه ‏‏:‏‏ هل أسلمت ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم يا أمير المؤمنين ، قال له ‏‏:‏‏ فهل كنت كاهنا في الجاهلية ‏‏؟‏‏ فقال الرجل ‏‏:‏‏ سبحان الله يا أمر المؤمنين ‏‏!‏‏ لقد خلت فيّ ، واستقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت ما ‏وليت ؛ فقال عمر ‏‏:‏‏ اللهم غفرا ، قد كنا في الجاهلية على شر من هذا ، نعبد الأصنام ، ونعتنق الأوثان ، حتى أكرمنا الله برسوله وبالإسلام ؛ قال ‏‏:‏‏ نعم ، والله يا أمير المؤمنين ، لقد كنت كاهنا في الجاهلية ؛ قال ‏‏:‏‏ فأخبرني ما جاءك به صاحبك ؛ قال ‏‏:‏‏ جاءني قبل الإسلام بشهر أو شيعه ، فقال ‏‏:‏‏ ألم تر إلى الجن وإبلاسها ، وإياسها من دينها ، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ هذا الكلام سجع، وليس بشعر ‏‏.‏‏

قال عبدالله بن كعب ‏‏:‏‏ فقال عمر بن الخطاب عند ذلك يحدث الناس ‏‏:‏‏ والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش ، قد ذبح له رجل من العرب عجلا ، فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه ، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه ، وذلك قبيل الإسلام بشهر أو شيعه ، يقول ‏‏:‏‏ يا ذريح ، أمر نجيح ، رجل يصيح ، يقول ‏‏:‏‏ لا إله إلا الله ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ رجل يصيح ، بلسان فصيح ، يقول ‏‏:‏‏ لا إله إلا الله ‏‏.‏‏

وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر ‏‏:‏‏

عجبت للجن وإبلاسها * وشدها العيس بأحلاسها

تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمنو الجن كأنجاسها

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فهذا ما بلغنا من الكهان من العرب ‏‏.‏

 إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم

 اليهود لعنهم الله يعرفونه ويكفرون به

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن رجال من قومه ، قالوا ‏‏:‏‏ إن مما دعانا إلى الإسلام ، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا ، لما كنا نسمع من رجال يهود ، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان ، وكانوا أهل كتاب ، عندهم علم ليس لنا ، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور ، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون ، قالوا لنا ‏‏:‏‏ إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم ‏‏.‏‏

فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه ، حين دعانا إلى الله تعالى ، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به ، فبادرناهم إليه ، فآمنا به ، وكفروا به ، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ يستفتحون ‏‏:‏‏ يستنصرون ، ويستفتحون أيضا ‏‏:‏‏ يتحاكمون ، وفي كتاب الله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 سلمة يذكر حديث اليهودي الذي أنذر بالرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد أخي بني عبدالأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش ، وكان سلمة من أصحاب بدر ، قال ‏‏:‏‏ كان لنا جار من يهود في بني عبدالأشهل ، قال ‏‏:‏‏ فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبدالأشهل - قال سلمة ‏‏:‏‏ وأنا يومئذ من أحدث من فيه سنا ، علي بردة لي ، مضطجع فيها بفناء أهلي - فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار ؛ قال ‏‏:‏‏ فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان ، لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت ؛ فقالوا له ‏‏:‏‏ ويحك يا فلان أوترى هذا كائنا ، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ، والذي يحلف به ، ولودّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار ، يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه ، بأن ينجو من تلك النار غدا ؛ فقالوا له ‏‏:‏‏ ويحك يا فلان ‏‏!‏‏ فما آية ذلك ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نبى مبعوث من نحو هذه البلاد ، وأشار بيده إلى مكة واليمن ؛ فقالوا ‏‏:‏‏ ومتى تراه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا ، فقال ‏‏:‏‏ إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه ‏‏.‏‏

قال سلمة ‏‏:‏‏ فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدا رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو حي بين أظهرنا ، فآمنا به ، وكفر به بغيا وحسدا ، قال ‏‏:‏‏ فقلنا له ‏‏:‏‏ ويحك يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ بلى ، ولكن ليس به ‏‏.‏‏

 ابن الهيبان اليهودي يتسبب في إسلام ثعلبة وأسيد ابني سعية ، وأسد بن عبيد

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال ‏‏:‏‏ قال لي ‏‏:‏‏ هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ، نفر من بني هدل ، إخوة من بني قريظة ، كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإسلام ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ لا و الله ، قال ‏‏:‏‏ فإن رجلا من يهود من أهل الشام ، يقال له ‏‏:‏‏ ابن الهيبان ، قدم علينا قبيل الإسلام بسنين ، فحل بين أظهرنا ، لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس أفضل منه ، فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له ‏‏:‏‏ اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا ؛ فيقول ‏‏:‏‏ لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة ؛ فنقول له ‏‏:‏‏ كم ‏‏؟‏‏ فيقول ‏‏:‏‏ صاعا من تمر ، أو مدين من شعير ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فنخرجها ‏ ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقي الله لنا ‏‏.‏‏ فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى ، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ ثم حضرته الوفاة عندنا ‏‏.‏‏ فلما عرف أنه ميت ، قال ‏‏:‏‏ يا معشر يهود ، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ قلنا ‏‏:‏‏ إنك أعلم ؛ قال ‏‏:‏‏ فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبى قد أظل زمانه ؛ وهذه البلدة مهاجره ، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه ، وقد أظلكم زمانه ، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود ، فإنه يبعث بسفك الدماء ، وسبي الذراري والنساء ممن خالفه ، فلا يمنعكم ذلك منه ‏‏.‏‏

فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة ، قال هؤلاء الفتية ، وكانوا شبابا أحداثا ‏‏:‏‏ يا بني قريظة ، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان ؛ قالوا ‏‏:‏‏ ليس به ؛ قالوا ‏‏:‏‏ بلى والله ، إنه لهو بصفته ، فنزلوا وأسلموا ، وأحرزوا دماءهم و أموالهم وأهليهم ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود ‏‏.‏‏

 حديث إسلام سلمان رضي الله عنه

 سلمان رضي الله عنه يتشوف إلى النصرانية بعد المجوسية

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، عن محمود بن لبيد ، عن عبدالله بن عباس ، قال ‏‏:‏‏ حدثني سلمان الفارسي ، و أنا أسمع من فيه ، قال ‏‏:‏‏ كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من قرية يقال لها جَيّ ، وكان أبي دهقان قريته ، وكنت أحب خلق الله إليه ، لم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية ، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقودها ، لا يتركها تخبو ساعة ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ وكانت لأبي ضيعة عظيمة ، قال ‏‏:‏‏ فشغل في بنيان له يوما ، فقال لي ‏‏:‏‏ يا بني ، إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي ، فاذهب إليها فاطلعها ‏‏.‏‏ وأمرني فيها ببعض ما يريد ، ثم قال لي ‏‏:‏‏ ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلي من ضيعتي ، وشغلتني عن كل شيء من أمرى ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها ، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى ، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون ، وكنت لا أدري ما أمر الناس ، لحبس أبي إياي في بيته ، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون ، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت ‏‏:‏‏ هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه ، فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس ، وتركت ضيعة أبي فلم آتها ؛ ثم قلت لهم ‏‏:‏‏ أين أصل هذا الدين ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ بالشام ‏‏.‏‏

فرجعت إلى أبي ، وقد بعث في طلبي ، وشغلته عن عمله كله ، فلما جئته قال ‏‏:‏‏ أي بني أين كنت ‏‏؟‏‏ أولم أكن عهدت إليك ما عهدت ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ قلت له ‏‏:‏‏ يا أبت ، مررت بأناس يصلون في كنسية لهم ، فأعجبني ما رأيت من دينهم ، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس ؛ قال ‏‏:‏‏ أي بني ، ليس في ذلك الدين خير ، دينك ودين آبائك خير منه ؛ قال ‏‏:‏‏ قلت له ‏‏:‏‏ كلا والله ، إنه لخير من ديننا ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فخافني ، فجعل في رجلي قيدا ، ثم حبسني في بيته ‏‏.‏‏

 سلمان يهرب إلى الشام

قال ‏‏:‏‏ وبعثت إلى النصارى فقلت لهم ‏‏:‏‏ إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى ، فأخبروني بهم ‏‏.‏‏ فقلت لهم ‏‏:‏‏ إذا قضوا حوائجهم ، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم ، فآذنوني بهم ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم ، فألقيت الحديد من رجلي ، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام ‏‏.‏‏ فلما قدمتها ، قلت ‏‏:‏‏ من أفضل أهل هذا الدين علما ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ الأسقفّ في الكنيسة ‏‏.‏‏

 سلمان مع أسقف النصارى السيىء

قال ‏‏:‏‏ فجئته فقلت له ‏‏:‏‏ إني قد رغبت في هذا الدين ، فأحببت أن أكون معك ، وأخدمك في كنيستك ، فأتعلم منك ، وأصلي معك ؛ قال ‏‏:‏‏ ادخل ، فدخلت معه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ وكان رجل سوء ، يأمرهم بالصدقة ، ويرغبهم فيها ، فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنـزه لنفسه ، ولم يعطه المساكين ، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ؛ ثم مات ، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه ، فقلت لهم ‏‏:‏‏ إن هذا كان رجل سوء ، يأمركم بالصدقة ، ويرغبكم فيها ، فإذا جئتموه بها ، اكتنـزها لنفسه ، ولم يعط المساكين منها شيئا ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقالوا لى ‏‏:‏‏ وما علمك بذلك ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلت لهم ‏‏:‏‏ أنا أدلكم على كنزه ؛ قالوا ‏‏:‏‏ فدلنا عليه ؛ قال ‏‏:‏‏ فأريتهم موضعه ، فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فلما رأوها قالوا ‏‏:‏‏ والله لا ندفنه أبدا ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فصلبوه ، ورجموه بالحجارة ، وجاءوا برجل آخر ، فجعلوه مكانه ‏‏.‏‏

 سلمان مع أسقف النصارى الصالح

قال ‏‏:‏‏ يقول سلمان ‏‏:‏‏ فما رأيت رجلا لا يصلى الخمس ، أرى أنه كان أفضل منه وأزهد في الدنيا ، ولا أرغب في الآخرة ، ولا أدأب ليلا ولا نهارا منه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فأحببته حبا لم أحبه شيئا قبله مثله ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فأقمت معه زمانا طويلا ، ثم حضرته الوفاة ، فقلت له ‏‏:‏‏ يا فلان ، إني قد كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك ، وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى ، فإلى من توصي بي ‏‏؟‏‏ وبم تأمرني ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ أي بني ، والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه ، فقد هلك الناس ، وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه ، إلا رجلا بالموصل ، وهو فلان ، و هو على ما كنت عليه فالحق به ‏‏.‏‏

 سلمان يلحق بأسقف الموصل

قال ‏‏:‏‏ فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل ، فقلت له ‏‏:‏‏ يافلان ، إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك ، وأخبرني أنك على أمره ؛ قال ‏‏:‏‏ فقال لي ‏‏:‏‏ أقم عندي ، فأقمت عنده ، فوجوته خير رجل على أمر صاحبه ، فلم يلبث أن مات ‏‏.‏‏

فلما حضرته الوفاة ، قلت له ‏‏:‏‏ يا فلان ، إن فلانا أوصي بي إليك ، وأمرني باللحوق بك ، وقد حضرك من أمر الله ما ترى ، فإلى من توصي بي ‏‏؟‏‏ وبم تأمرني ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ يا بني ، والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه ، إلا رجلا بنصيبين ، وهو فلان ، فالحق به ‏‏.‏‏

 سلمان يلحق بأسقف نصيبين

فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين ، فأخبرته خبرى ، وما أمرني به صاحبه ، فقال ‏‏:‏‏ أقم عندي ، فأقمت عنده ، فوجدته على أمر صاحبيه ‏‏.‏‏ فأقمت مع خير رجل ، فوالله ما لبث أن نزل به الموت ، فلما حُضر قلت له ‏‏:‏‏ يا فلان ، إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان ، ثم أوصى بي فلان إليك ؛ فإلى من توصي بي ‏‏؟‏‏ وبم تأمرني ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ يا بني ، والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم ، فإنه على مثل ما نحن عليه ، فإن أحببت فأته ، فإنه على أمرنا ‏‏.‏‏

 سلمان يلحق بصاحب عمورية

فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية ، فأخبرته خبري ؛ فقال ‏‏:‏‏ أقم عندي ، فأقمت عند خير رجل ، علي هدي أصحابه وأمرهم ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ ثم نزل به أمر الله تعالى ، فلما حُضر قلت له ‏‏:‏‏ يا فلان ، إني كنت مع فلان ، فأوصى بي إلى فلان ، ثم أوصى بي فلان إلى فلان ، ثم أوصى بي فلان إليك ، فإلى من توصي بي ‏‏؟‏‏ وبم تأمرني ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ أي بني ، والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك به أن تأتيه ، ولكنه قد أظل زمان نبي ، وهو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام ، يخرج بأرض العرب ، مُهاجَره إلى أرض بين حرتين ، بينهما نخل به علامات لا تخفى ، يأكل الهدية ، ولا يأكل الصدقة ، وبين كتفيه خاتم النبوة ، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل ‏‏.‏‏

 سلمان يذهب إلى وادي القرى

قال ‏‏:‏‏ ثم مات وغيب ، ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ، ثم مر بي نفر من كلب تجار ، فقلت لهم ‏‏:‏‏ احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه ؛ قالوا ‏‏:‏‏ نعم ‏‏.‏‏ فأعطيتهموها وحملوني معهم ، حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني ، فباعوني من رجل يهودي عبدا ، فكنت عنده ، ورأيت النخل ، فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ، ولم يحقّ في نفسي ‏‏.‏‏

 سلمان يذهب إلى المدينة

فبينا أنا عنده ، إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة ، فابتاعني منه ، فاحتملني إلى المدينة ، ‏فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي ، فأقمت بها ، وبُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقام بمكة ما أقام ، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ، ثم هاجر إلى المدينة ‏‏.‏‏

 سلمان يسمع بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

فوالله إني لفى رأس عذق لسيدي أعمل له فيه بعض العمل ، وسيدي جالس تحتي ، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه ، فقال ‏‏:‏‏ يا فلان ، قاتل الله بني قيلة ، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم ، يزعمون أنه نبي ‏‏.‏‏

نسب قيلة

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ قيلة ‏‏:‏‏ بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة ، أم الأوس والخزرج ‏‏.‏‏

قال النعمان بن بشير الأنصاري يمدح الأوس والخزرج ‏‏:‏‏

بهاليل من أولاد قيلة لم يجد * عليهم خليط في مخالطة عتبا

مساميح أبطال يراحون للندى * يرون عليهم فعل آبائهم نحبا

وهذان البيتان في قصيدة له ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، عن محمود بن لبيد ، عن عبدالله بن عباس ، قال ‏‏:‏‏ قال سلمان ‏‏:‏‏ فلما سمعتها أخذتني العُرَوْراء ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ و العروراء ‏‏:‏‏ الرعدة من البرد والانتفاض ، فإن كان مع ذلك عرق فهي الرُّحَضاء ، وكلاهما ممدود - حتى ظننت أني سأسقط على سيدي ، فنزلت عن النخلة ، فجعلت أقول لابن عمه ذلك ‏‏:‏‏ ماذا تقول ‏‏؟‏‏ ماذا تقول ‏‏؟‏‏ فغضب سيدي ، فلكمني لكمة شديدة ، ثم قال ‏‏:‏‏ ما لك ولهذا ‏‏؟‏‏ أقبل على عملك ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ لا شيء ، إنما أردت أن أستثبته عما قال ‏‏.‏‏‏

 سلمان يستوثق من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم

قال ‏‏:‏‏ وقد كان عندي شيء قد جمعته فلما أمسيت أخذته ، ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء ، فدخلت عليه ، فقلت له ‏‏:‏‏ إنه قد بلغني أنك رجل صالح ، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة ، وهذا شيء قد كان عندي للصدقة ، فرأيتكم أحق به من غيركم ، قال ‏‏:‏‏ فقربته إليه ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ‏‏:‏‏ كلوا ، وأمسك يده فلم يأكل ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلت في نفسي ‏‏:‏‏ هذه واحدة ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ ثم انصرفت عنه ، فجمعت شيئا ، وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ثم جئته به فقلت له ‏‏:‏‏ إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة ، فهذه هدية أكرمتك بها ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ، وأمر أصحابه فأكلوا معه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلت في نفسي ‏‏:‏‏ هاتان ثنتان ؛ قال ‏‏:‏‏ ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد ، قد تبع جنازة رجل من أصحابه ، و علي شملتان لي ، وهو جالس في أصحابه ، فسلمت عليه ، ثم استدرت أنظر إلى ظهره ، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ؛ فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي ، فألقى رداءه عن ظهره ، فنظرت إلى الخاتم فعرفته ، فأكببت عليه أقبله وأبكي ؛ فقال لي رسول الله‏ صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ تحول ، فتحولت فجلست بين يديه ، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس ، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم أن يسمع ذلك أصحابه ‏‏.‏‏ ثم شغل سلمان الرقُّ حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد ‏‏.‏‏

 سلمان يفتك نفسه من الرق بأمر رسول الله ومساعدته صلى الله عليه وسلم

قال سلمان ‏‏:‏‏ ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ كاتب يا سلمان ؛ فكاتبت صاحبي على ثلثمائة نخلة أحييها له بالفقير ، وأربعين أوقية ‏‏.‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ‏‏:‏‏ أعينوا أخاكم ، فأعانوني بالنخل ، الرجل بثلاثين وَدِيَّة ، والرجل بعشرين ودية ، والرجل بخمس عشرة ودية ، والرجل بعشر ، يعين الرجل بقدر ما عنده ، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية ؛ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ اذهب يا سلمان ففقِّر لها ، فإذا فرغت فأتني أكنْ أنا أضعها بيدي ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ ففقَّرت وأعانني أصحابي ، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها ، فجعلنا نقرب إليه الودي ، ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، حتى فرغنا ‏‏.‏‏ فوالذي ‏نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فأديت النخل وبقي عليّ المال ‏‏.‏‏ فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب ، من بعض المعادن ، فقال ‏‏:‏‏ ما فعل الفارسي المكاتب ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فدعيت له ، فقال ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ خذ هذه ، فأدها مما عليك يا سلمان ‏‏)‏‏ قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي ‏‏؟‏‏ فقال ‏‏:‏‏ خذها فإن الله سيؤدي بها عنك ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فأخذتها فوزنت لهم منها ، والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية ، فأوفيتهم حقهم منها ، وعتق سلمان ‏‏.‏‏ فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخندق حرا ، ثم لم يفتني معه مشهد ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن رجل من عبدالقيس عن سلمان ‏‏:‏‏ أنه قال ‏‏:‏‏ لما قلت ‏‏:‏‏ وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله ‏‏؟‏‏ أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه ، ثم قال ‏‏:‏‏ خذها فأوفهم منها ، فأخذتها ، فأوفيتهم منها حقهم كله ، أربعين أوقية ‏‏.‏‏

 حديث سلمان مع الرجل الذي بعمورية

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة ، قال ‏‏:‏‏ حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبدالعزيز بن مروان ، قال ‏‏:‏‏ حُدثت عن سلمان الفارسي ‏‏:‏‏ أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين أخبره خبره ‏‏:‏‏ إن صاحب عمورية قال له ‏‏:‏‏ ائت كذا وكذا من أرض الشام ، فإن بها رجلا بين غيضتين ، يخرج في كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزا ، يعترضه ذوو الأسقام ، فلا يدعو لأحد منهم إلا شفي ، فاسأله عن هذا الدين الذي تبتغي ، فهو يخبرك عنه ‏‏.‏‏ قال سلمان ‏‏:‏‏ فخرجت حتى أتيت حيث وصف لي ، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هنالك ، حتى خرج لهم تلك الليلة ، مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى ، فغشيه الناس بمرضاهم ، لا يدعو لمريض إلا شفي ، وغلبوني عليه ، فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخل ، إلا منكبه ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فتناولته ، فقال ‏‏:‏‏ من هذا ‏‏؟‏‏ والتفت إلي ، فقلت ‏‏:‏‏ يرحمك الله ، أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ إنك لتسألني عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم ، قد أظلك زمان نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم ، فأته فهو يحملك عليه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ ثم دخل ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان ‏‏:‏‏ لئن كنت صدقتني يا سلمان ، لقد لقيت عيسى بن مريم ، على نبينا وعليه السلام ‏‏.‏‏

 ذكر ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو بن نفيل

 تشككهم في الوثنية

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ واجتمعت قريش يوما في عيد لهم عند صنم من أصنامهم ، كانوا يعظمونه وينحرون له ، ويعكفون عنده ، ويديرون به ، وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة يوما ، فخلص منهم أربعة نفر نجيا ، ثم قال بعضهم لبعض ‏‏:‏‏ تصادقوا وَلْيَكْتُم بعضكم على بعض ؛ قالوا ‏‏:‏‏ أجل ‏‏.‏‏ وهم ‏‏:‏‏ ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي ؛ وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة ، وكانت أمه أميمة بنت عبدالمطلب ، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبدالعزى بن قصي ؛ وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبدالعزى بن عبدالله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ؛ فقال بعضهم لبعض ‏‏:‏‏ تعلموا والله ما قومكم على شيء ‏‏!‏‏ لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم ‏‏!‏‏ ما حجر نُطيف به ، لا يسمع ولا يبصر ، ولا يضر ولا ينفع ، يا قوم التمسوا لأنفسكم دينا ، فإنكم والله ما أنتم على شيء ‏‏.‏‏ فتفرقوا في البلدان يلتسمون الحنيفية ، دين إبراهيم ‏‏.‏‏

 تنصر ورقة وابن جحش

فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية ، واتبع الكتب من أهلها ، حتى علم علما من أهل الكتاب ‏‏.‏‏

وأما عبيد الله بن جحش ، فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم ، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة ؛ فلما قدمها تنصر ، وفارق الإسلام ، حتى هلك هنالك نصرانيا ‏‏.‏‏

 ابن جحش يغري مهاجري الحبشة على التنصر

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، قال ‏‏:‏‏ كان عبيد الله‏ بن جحش حين تنصر يمر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم هنالك من أرض الحبشة ، فيقول ‏‏:‏‏ فقَّحْنا وصأصأتم ، أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ، ولم تبصروا بعد ‏‏.‏‏ وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه لينظر ، صأصأ لينظر ‏‏.‏‏ وقوله ‏‏:‏‏ فقح ‏‏:‏‏ فتح عينيه ‏‏.‏‏

 رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلف على زوجة ابن جحش بعد وفاته

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني محمد بن علي بن حسين ‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فيها إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري ، فخطبها عليه النجاشي ، فزوجه إياها ، وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار ‏‏.‏‏

فقال محمد بن علي ‏‏:‏‏ ما نرى عبدالملك بن مروان وقف صداق النساء على أربعمائة دينار إلا عن ذلك ‏‏.‏‏ وكان الذي أملكها النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن سعيد بن العاص ‏‏.‏‏

تنصر ابن الحويرث ، وقدومه على قيصر

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم ، فتنصَّر وحسنت منزلته عنده ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ولعثمان بن الحويرث عند قيصر حديث ، منعني من ذكره ما ذكرت في حديث حرب الفجار ‏‏.‏‏

 زيد بن عمرو يتوقف عن جميع الأديان

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية ، وفارق دين قومه ، فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان ‏ونهى عن قتل الموءودة ، وقال ‏‏:‏‏ أعبد رب إبراهيم ؛ وبادى قومه بعيب ما هم عليه ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني هشام بن عروة عن أبيه ، عن أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، قالت ‏‏:‏‏ لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة ، وهو يقول ‏‏:‏‏ يا معشر قريش ، والذي نفس زيد بن عمرو بيده ، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ، ثم يقول ‏‏:‏‏ اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به ، ولكني لا أعلمه ، ثم يسجد على راحلته ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثت أن ابنه ، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وعمر بن الخطاب ، وهو ابن عمه ، قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ أتستغفر لزيد بن عمرو ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ، فإنه يُبعث أمة وحده ‏‏.‏‏

 شعر زيد في فراق الوثنية

وقال زيد بن عمرو بن نفيل في فراق دين قومه ، وما كان لقي منهم في ذلك ‏‏:‏‏

أربا واحدا أم ألف رب * أدين إذا تُقسمت الأمورُ

عزلت اللات والعزى جميعا * كذلك يفعل الجلد الصبور

فلا العزى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمَيْ بن عمرو أزور

ولا هبلا أدين وكان ربا * لنا في الدهر إذ حلمي يسير

عجبت وفي الليالي مُعجبات * وفي الأيام يعرفها البصير

بأن الله قد أفنى رجالا * كثيرا كان شأنهم الفجور

وأبقى آخرين ببر قوم * فيربِل منهم الطفل الصغير

وبينا المرء يفتر ثاب يوما * كما يتروّح الغصن المطير

ولكن أعبدالرحمن ربي * ليغفر ذنبي الرب الغفور

فتقوى الله ربكم احفظوها * متى ما تحفظوها لا تبوروا

ترى الأبرار دارهمُ جنان * وللكفار حامية سعير

وخزي في الحياة وإن يموتوا * يلاقوا ما تضيق به الصدور

وقال زيد بن عمرو بن نفيل أيضا - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ هي لأمية بن أبي الصلت في قصيدة له ، إلا البيتين الأولين والبيت الخامس وآخرها بيتا ‏‏.‏‏ وعجز البيت الأول عن غير ابن إسحاق - ‏‏:‏‏

إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا * وقولا رصينا لا يـَني الدهر باقيا

إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه * إله ولا رب يكون مدانيا

ألا أيها الإنسان إياك والردى * فإنك لا تخفي من الله خافيا

وإياك لا تجعل مع الله غيره * فإن سبيل الرشد أصبح باديا

حنانيك إن الحن كانت رجاءهم * وأنت إلهي ربنا ورجائيا

رضيت بك اللهم ربَّا فلن أرى * أدين إلها غيرك الله ثانيا

أدين لرب يُستجاب و لا أرى* أدين لمن لم يسمع الدهر داعيا

وأنت الذي من فضل منّ ورحمة * بعثت إلى موسى رسولا مناديا

فقلت له يا اذهب وهارون فادعوا * إلى الله فرعون الذي كان طاغيا

وقولا له ‏‏:‏‏ أأنت سويت هذه * بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا

وقولا له ‏‏:‏‏ أأنت رفعت هذه * بلا عمد أرفقْ إذا بك بانيا

وقولا له ‏‏:‏‏ أأنت سويت وسطها * منيرا إذا ما جنه الليل هاديا

وقولا له ‏‏:‏‏ من يرسل الشمس غدوة * فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا

وقولا له ‏‏:‏‏ من ينبت الحب في الثرى * فيصبح منه البقل يهتز رابيا

ويخرج منه حبه في رءوسه * وفي ذاك آيات لمن كان واعيا

وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا

وإني ولو سبحت باسمك ربنا * لأكثر ، إلا ما غفرت ، خطائيا

فرب العباد ألقِ سيبا ورحمة * علي وبارك في بَنيَّ وماليا

وقال زيد بن عمرو يعاتب امرأته صفية بنت الحضرمي -

نسب الحضرمي

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ واسم الحضرمي ‏‏:‏‏ عبدالله بن عماد بن أكبر أحد الصدف ، واسم الصدف ‏‏:‏‏ عمرو بن مالك أحد السكون بن أشرس بن كندي ؛ ويقال ‏‏:‏‏ كندة بن ثور بن مرتع بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ ؛ ويقال ‏‏:‏‏ مرتع بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ‏‏.‏‏

 زيد يعاتب زوجته لمنعها له عن البحث في الحنيفية

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان زيد بن عمرو قد أجمع الخروج من مكة ليضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، فكانت صفية بنت الحضرمي كلما رأته قد تهيأ للخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل ، وكان ‏الخطاب بن نفيل عمه وأخاه لأمه ، وكان يعاتبه على فراق دين قومه ، وكان الخطاب قد وكَّل صفية به ، وقال ‏‏:‏‏ إذا رأيتيه قد هم بأمر فآذنيني به - فقال زيد ‏‏:‏‏

لا تحبسيني في الهوا ن * صفيَّ ما دأبي ودابُهْ

إني إذا خفت الهوا ن * مشيع ذُلُل ركابه

دعموص أبواب الملو ك * وجائب للخرق نابه

قطاع أسباب تذ لّ * بغير أقران صعابه

وإنما أخذ الهوا ن * العير إذ يوهي إهابه

ويقول إني لا أذ لّ بصك * جنبيه صلابه

وأخي ابن أمي ثم * عمّي لا يُواتيني خطابه

وإذا يعاتبني بسو ء * قلت أعياني جوابه

ولو أشاء لقلت ما * عندي مفاتحه وبابه

 قول زيد حين يستقبل الكعبة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثت عن بعض أهل زيد بن عمرو بن نفيل ، أن زيدا كان إذا استقبل الكعبة داخل المسجد ، قال ‏‏:‏‏ لبيك حقا حقا ، تعبدا ورقا ‏‏.‏‏

عذت بما عاذ به إبراهيمْ * مستقبل القبلة وهو قائم‏

إذ قال ‏‏:‏‏

أنفي لك اللهم عان راغمْ * مهما تجشمني فإني جاشم

البرَّ أبغي لا الخال * ليس مُهجِّر كمن قال ‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ البر أبقى لا الخال ، ليس مهجر كمن قال ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ وقوله ‏‏(‏‏ مستقبل الكعبة ‏‏)‏‏ عن بعض أهل العلم ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال زيد بن عمرو بن نفيل ‏‏:‏‏

وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا

دحاها فلما رآها استوت * على الماء أرسى عليها الجبالا

وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا

إذا هي سيقت إلى بلدة * أطاعت فصبت عليها سجالا

 الخطاب يؤذي زيدا ويحاصره

وكان الخطاب قد آذى زيدا ، حتى أخرجه إلى أعلى مكة ، فنزل حراء مقابل مكة ، ووكل به الخطاب شبابا من شباب قريش وسفهاء من سفهائها ، فقال لهم ‏‏:‏‏ لا تتركوه يدخل مكة ؛ فكان لا يدخلها إلا سرا منهم ، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم ، وأن يتابعه أحد منهم على فراقه ‏‏.‏‏

فقال وهو يعظم حرمته على من استحل منه ما استحل من قومه ‏‏:‏‏

لاهُمَّ إني محرم لا حِلَّهْ * وإن بيتي أوسط المحلَّهْ

عند الصفا ليس بذي مَضلَّهْ *

 زيد يرحل إلى الشام وموته

ثم خرج يطلب دين إبراهيم عليه السلام ، ويسأل الرهبان والأحبار ، حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها ، ثم أقبل فجال الشام كله ، حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون ، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم ؛ فقال ‏‏:‏‏ إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم ، ولكن قد أظل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها ، يُبعث بدين إبراهيم الحنيفية ، فالحق بها ، فإنه مبعوث الآن ، هذا زمانه ‏‏.‏‏

وقد كان شامَّ اليهودية والنصرانية ، فلم يرض شيئا منهما ، فخرج سريعا ، حين قال له ذلك الراهب ما قال ، يريد مكة ، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه ‏‏.‏‏

 ورقة يرثي زيدا

فقال ورقة بن نوفل بن أسد يبكيه ‏‏:‏‏

رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا ‏

بدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كما هيا

وإدراكك الدين الذي قد طلبته * ولم تك عن توحيد ربك ساهيا

فأصبحت في دار كريم مقامها * تُعلَّل فيها بالكرامة لاهيا

تلاقي خليل الله فيها ولم تكن * من الناس جبارا إلى النار هاويا

وقد تدرك الإنسان رحمة ربه * ولو كان تحت الأرض سبعين واديا

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ يروى لأمية بن أبي الصلت البيتان الأولان منها ، وآخرها بيتا في قصيدة له ، وقوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أوثان الطواغي ‏‏)‏‏ عن غير ابن إسحاق ‏‏.‏‏

منقول عن موقع الايمان للفائده