إنذار
يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم
اليهود
لعنهم الله يعرفونه ويكفرون به
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة
، عن رجال من قومه ، قالوا : إن مما دعانا إلى الإسلام ، مع
رحمة الله تعالى وهداه لنا ، لما كنا نسمع من رجال يهود ، وكنا أهل
شرك أصحاب أوثان ، وكانوا أهل كتاب ، عندهم علم ليس لنا ، وكانت لا
تزال بيننا وبينهم شرور ، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون ، قالوا
لنا : إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد
وإرم فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم .
فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه ،
حين دعانا إلى الله تعالى ، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به ،
فبادرناهم إليه ، فآمنا به ، وكفروا به ، ففينا وفيهم نزل هؤلاء
الآيات من البقرة : (
ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ، وكانوا من قبل
يستفتحون على الذين كفروا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة
الله على الكافرين ) .
قال ابن هشام : يستفتحون : يستنصرون ،
ويستفتحون أيضا : يتحاكمون ، وفي كتاب الله تعالى : (
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين )
.
سلمة
يذكر حديث اليهودي الذي أنذر بالرسول صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : وحدثني صالح بن إبراهيم بن
عبدالرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد أخي بني عبدالأشهل عن سلمة بن
سلامة بن وقش ، وكان سلمة من أصحاب بدر ، قال : كان لنا جار من
يهود في بني عبدالأشهل ، قال : فخرج علينا يوما من بيته حتى
وقف على بني عبدالأشهل - قال سلمة : وأنا يومئذ من أحدث من فيه
سنا ، علي بردة لي ، مضطجع فيها بفناء أهلي - فذكر القيامة والبعث
والحساب والميزان والجنة والنار ؛ قال : فقال ذلك لقوم أهل شرك
أصحاب أوثان ، لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت ؛ فقالوا له :
ويحك يا فلان أوترى هذا كائنا ، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار
فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم ؟ قال : نعم ، والذي
يحلف به ، ولودّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار ،
يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه ، بأن ينجو من تلك النار غدا
؛ فقالوا له : ويحك يا فلان ! فما آية ذلك ؟ قال :
نبى مبعوث من نحو هذه البلاد ، وأشار بيده إلى مكة واليمن ؛ فقالوا
: ومتى تراه ؟ قال : فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا ،
فقال : إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه .
قال سلمة : فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى
بعث الله محمدا رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو حي بين أظهرنا ،
فآمنا به ، وكفر به بغيا وحسدا ، قال : فقلنا له : ويحك يا
فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت ؟ قال : بلى ، ولكن ليس
به .
ابن
الهيبان اليهودي يتسبب في إسلام ثعلبة وأسيد ابني سعية ، وأسد بن
عبيد
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة
عن شيخ من بني قريظة قال : قال لي : هل تدري عم كان إسلام
ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ، نفر من بني هدل ، إخوة
من بني قريظة ، كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإسلام
. قال : قلت : لا و الله ، قال : فإن رجلا من يهود
من أهل الشام ، يقال له : ابن الهيبان ، قدم علينا قبيل
الإسلام بسنين ، فحل بين أظهرنا ، لا والله ما رأينا رجلا قط لا
يصلي الخمس أفضل منه ، فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له
: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا ؛ فيقول : لا والله حتى
تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة ؛ فنقول له : كم ؟ فيقول :
صاعا من تمر ، أو مدين من شعير . قال : فنخرجها ثم يخرج
بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقي الله لنا . فوالله ما يبرح مجلسه
حتى يمر السحاب ونسقى ، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث
.
قال : ثم حضرته الوفاة عندنا . فلما عرف
أنه ميت ، قال : يا معشر يهود ، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر
والخمير إلى أرض البؤس والجوع ؟ قال : قلنا : إنك أعلم
؛ قال : فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبى قد أظل
زمانه ؛ وهذه البلدة مهاجره ، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه ، وقد
أظلكم زمانه ، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود ، فإنه يبعث بسفك
الدماء ، وسبي الذراري والنساء ممن خالفه ، فلا يمنعكم ذلك منه
.
فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر
بني قريظة ، قال هؤلاء الفتية ، وكانوا شبابا أحداثا : يا بني
قريظة ، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان ؛
قالوا : ليس به ؛ قالوا : بلى والله ، إنه لهو بصفته ،
فنزلوا وأسلموا ، وأحرزوا دماءهم و أموالهم وأهليهم .
قال ابن إسحاق : فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود
.
حديث
إسلام سلمان رضي الله عنه
سلمان
رضي الله عنه يتشوف إلى النصرانية بعد المجوسية
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة
الأنصاري ، عن محمود بن لبيد ، عن عبدالله بن عباس ، قال :
حدثني سلمان الفارسي ، و أنا أسمع من فيه ، قال : كنت رجلا
فارسيا من أهل أصبهان من قرية يقال لها جَيّ ، وكان أبي دهقان
قريته ، وكنت أحب خلق الله إليه ، لم يزل به حبه إياي حتى حبسني في
بيته كما تحبس الجارية ، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار
الذي يوقودها ، لا يتركها تخبو ساعة .
قال : وكانت لأبي ضيعة عظيمة ، قال :
فشغل في بنيان له يوما ، فقال لي : يا بني ، إني قد شغلت في
بنياني هذا اليوم عن ضيعتي ، فاذهب إليها فاطلعها . وأمرني
فيها ببعض ما يريد ، ثم قال لي : ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست
عني كنت أهم إلي من ضيعتي ، وشغلتني عن كل شيء من أمرى .
قال : فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها ،
فمررت بكنيسة من كنائس النصارى ، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون ،
وكنت لا أدري ما أمر الناس ، لحبس أبي إياي في بيته ، فلما سمعت
أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون ، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم
ورغبت في أمرهم وقلت : هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه ،
فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس ، وتركت ضيعة أبي فلم آتها ؛ ثم
قلت لهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام .
فرجعت إلى أبي ، وقد بعث في طلبي ، وشغلته عن
عمله كله ، فلما جئته قال : أي بني أين كنت ؟ أولم أكن
عهدت إليك ما عهدت ؟ قال : قلت له : يا أبت ، مررت
بأناس يصلون في كنسية لهم ، فأعجبني ما رأيت من دينهم ، فوالله ما
زلت عندهم حتى غربت الشمس ؛ قال : أي بني ، ليس في ذلك الدين
خير ، دينك ودين آبائك خير منه ؛ قال : قلت له : كلا والله
، إنه لخير من ديننا . قال : فخافني ، فجعل في رجلي قيدا ،
ثم حبسني في بيته .
سلمان
يهرب إلى الشام
قال : وبعثت إلى النصارى فقلت لهم : إذا
قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم . قال : فقدم عليهم
ركب من الشام تجار من النصارى ، فأخبروني بهم . فقلت لهم :
إذا قضوا حوائجهم ، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم ، فآذنوني بهم .
قال : فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم ، فألقيت
الحديد من رجلي ، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام . فلما قدمتها ،
قلت : من أفضل أهل هذا الدين علما ؟ قالوا : الأسقفّ
في الكنيسة .
سلمان
مع أسقف النصارى السيىء
قال : فجئته فقلت له : إني قد رغبت في
هذا الدين ، فأحببت أن أكون معك ، وأخدمك في كنيستك ، فأتعلم منك ،
وأصلي معك ؛ قال : ادخل ، فدخلت معه . قال : وكان رجل
سوء ، يأمرهم بالصدقة ، ويرغبهم فيها ، فإذا جمعوا إليه شيئا منها
اكتنـزه لنفسه ، ولم يعطه المساكين ، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق
.
قال : فأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ؛
ثم مات ، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه ، فقلت لهم : إن هذا
كان رجل سوء ، يأمركم بالصدقة ، ويرغبكم فيها ، فإذا جئتموه بها ،
اكتنـزها لنفسه ، ولم يعط المساكين منها شيئا . قال :
فقالوا لى : وما علمك بذلك ؟ قال : فقلت لهم : أنا
أدلكم على كنزه ؛ قالوا : فدلنا عليه ؛ قال : فأريتهم
موضعه ، فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا .
قال : فلما رأوها قالوا : والله لا ندفنه
أبدا . قال : فصلبوه ، ورجموه بالحجارة ، وجاءوا برجل آخر
، فجعلوه مكانه .
سلمان
مع أسقف النصارى الصالح
قال : يقول سلمان : فما رأيت رجلا لا
يصلى الخمس ، أرى أنه كان أفضل منه وأزهد في الدنيا ، ولا أرغب في
الآخرة ، ولا أدأب ليلا ولا نهارا منه . قال : فأحببته حبا
لم أحبه شيئا قبله مثله . قال : فأقمت معه زمانا طويلا ،
ثم حضرته الوفاة ، فقلت له : يا فلان ، إني قد كنت معك وأحببتك
حبا لم أحبه شيئا قبلك ، وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى ، فإلى
من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : أي بني ، والله ما
أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه ، فقد هلك الناس ، وبدلوا وتركوا
أكثر ما كانوا عليه ، إلا رجلا بالموصل ، وهو فلان ، و هو على ما
كنت عليه فالحق به .
سلمان
يلحق بأسقف الموصل
قال : فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل ،
فقلت له : يافلان ، إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك ،
وأخبرني أنك على أمره ؛ قال : فقال لي : أقم عندي ، فأقمت
عنده ، فوجوته خير رجل على أمر صاحبه ، فلم يلبث أن مات .
فلما حضرته الوفاة ، قلت له : يا فلان ، إن
فلانا أوصي بي إليك ، وأمرني باللحوق بك ، وقد حضرك من أمر الله ما
ترى ، فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : يا بني ،
والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه ، إلا رجلا بنصيبين ، وهو
فلان ، فالحق به .
سلمان
يلحق بأسقف نصيبين
فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين ، فأخبرته خبرى
، وما أمرني به صاحبه ، فقال : أقم عندي ، فأقمت عنده ، فوجدته
على أمر صاحبيه . فأقمت مع خير رجل ، فوالله ما لبث أن نزل به
الموت ، فلما حُضر قلت له : يا فلان ، إن فلانا كان أوصى بي
إلى فلان ، ثم أوصى بي فلان إليك ؛ فإلى من توصي بي ؟ وبم
تأمرني ؟ قال : يا بني ، والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا
آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم ، فإنه على مثل ما
نحن عليه ، فإن أحببت فأته ، فإنه على أمرنا .
سلمان
يلحق بصاحب عمورية
فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية ، فأخبرته خبري
؛ فقال : أقم عندي ، فأقمت عند خير رجل ، علي هدي أصحابه
وأمرهم . قال : واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة . قال
: ثم نزل به أمر الله تعالى ، فلما حُضر قلت له : يا فلان
، إني كنت مع فلان ، فأوصى بي إلى فلان ، ثم أوصى بي فلان إلى فلان
، ثم أوصى بي فلان إليك ، فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟
قال : أي بني ، والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا
عليه من الناس آمرك به أن تأتيه ، ولكنه قد أظل زمان نبي ، وهو
مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام ، يخرج بأرض العرب ، مُهاجَره إلى
أرض بين حرتين ، بينهما نخل به علامات لا تخفى ، يأكل الهدية ، ولا
يأكل الصدقة ، وبين كتفيه خاتم النبوة ، فإن استطعت أن تلحق بتلك
البلاد فافعل .
سلمان
يذهب إلى وادي القرى
قال : ثم مات وغيب ، ومكثت بعمورية ما شاء
الله أن أمكث ، ثم مر بي نفر من كلب تجار ، فقلت لهم : احملوني
إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه ؛ قالوا : نعم
. فأعطيتهموها وحملوني معهم ، حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني
، فباعوني من رجل يهودي عبدا ، فكنت عنده ، ورأيت النخل ، فرجوت أن
يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ، ولم يحقّ في نفسي .
سلمان
يذهب إلى المدينة
فبينا أنا عنده ، إذ قدم عليه ابن عم له من بني
قريظة من المدينة ، فابتاعني منه ، فاحتملني إلى المدينة ، فوالله
ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي ، فأقمت بها ، وبُعث رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فأقام بمكة ما أقام ، لا أسمع له بذكر
مع ما أنا فيه من شغل الرق ، ثم هاجر إلى المدينة .
سلمان
يسمع بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة
فوالله إني لفى رأس عذق لسيدي أعمل له فيه بعض
العمل ، وسيدي جالس تحتي ، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه ، فقال
: يا فلان ، قاتل الله بني قيلة ، والله إنهم الآن لمجتمعون
بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم ، يزعمون أنه نبي .
نسب قيلة
قال ابن هشام : قيلة : بنت كاهل بن عذرة
بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة ، أم الأوس
والخزرج .
قال النعمان بن بشير الأنصاري يمدح الأوس والخزرج
:
بهاليل من أولاد قيلة لم يجد * عليهم خليط في
مخالطة عتبا
مساميح أبطال يراحون للندى * يرون عليهم فعل
آبائهم نحبا
وهذان البيتان في قصيدة له .
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة
الأنصاري ، عن محمود بن لبيد ، عن عبدالله بن عباس ، قال : قال
سلمان : فلما سمعتها أخذتني العُرَوْراء .
قال ابن هشام : و العروراء : الرعدة من
البرد والانتفاض ، فإن كان مع ذلك عرق فهي الرُّحَضاء ، وكلاهما
ممدود - حتى ظننت أني سأسقط على سيدي ، فنزلت عن النخلة ، فجعلت
أقول لابن عمه ذلك : ماذا تقول ؟ ماذا تقول ؟ فغضب
سيدي ، فلكمني لكمة شديدة ، ثم قال : ما لك ولهذا ؟ أقبل
على عملك . قال : قلت : لا شيء ، إنما أردت أن أستثبته
عما قال .
سلمان
يستوثق من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم
قال : وقد كان عندي شيء قد جمعته فلما أمسيت
أخذته ، ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء ،
فدخلت عليه ، فقلت له : إنه قد بلغني أنك رجل صالح ، ومعك
أصحاب لك غرباء ذوو حاجة ، وهذا شيء قد كان عندي للصدقة ، فرأيتكم
أحق به من غيركم ، قال : فقربته إليه ؛ فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم لأصحابه : كلوا ، وأمسك يده فلم يأكل . قال
: فقلت في نفسي : هذه واحدة . قال : ثم انصرفت عنه
، فجمعت شيئا ، وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ،
ثم جئته به فقلت له : إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة ، فهذه هدية
أكرمتك بها . قال : فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم
منها ، وأمر أصحابه فأكلوا معه . قال : فقلت في نفسي :
هاتان ثنتان ؛ قال : ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
ببقيع الغرقد ، قد تبع جنازة رجل من أصحابه ، و علي شملتان لي ،
وهو جالس في أصحابه ، فسلمت عليه ، ثم استدرت أنظر إلى ظهره ، هل
أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ؛ فلما رآني رسول الله صلى الله عليه
وسلم استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي ، فألقى رداءه عن ظهره
، فنظرت إلى الخاتم فعرفته ، فأكببت عليه أقبله وأبكي ؛ فقال لي
رسول الله صلى الله عليه وسلم : تحول ، فتحولت فجلست بين يديه
، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس ، فأعجب رسول الله صلى
الله عليه وعلى وآله وسلم أن يسمع ذلك أصحابه . ثم شغل سلمان
الرقُّ حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد .
سلمان
يفتك نفسه من الرق بأمر رسول الله ومساعدته صلى الله عليه وسلم
قال سلمان : ثم قال لي رسول الله صلى الله
عليه وسلم : كاتب يا سلمان ؛ فكاتبت صاحبي على ثلثمائة نخلة
أحييها له بالفقير ، وأربعين أوقية . فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لأصحابه : أعينوا أخاكم ، فأعانوني بالنخل ، الرجل
بثلاثين وَدِيَّة ، والرجل بعشرين ودية ، والرجل بخمس عشرة ودية ،
والرجل بعشر ، يعين الرجل بقدر ما عنده ، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة
ودية ؛ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهب يا سلمان
ففقِّر لها ، فإذا فرغت فأتني أكنْ أنا أضعها بيدي .
قال : ففقَّرت وأعانني أصحابي ، حتى إذا فرغت
جئته فأخبرته ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها ،
فجعلنا نقرب إليه الودي ، ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده
، حتى فرغنا . فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة
.
قال : فأديت النخل وبقي عليّ المال .
فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب ، من
بعض المعادن ، فقال : ما فعل الفارسي المكاتب ؟ قال :
فدعيت له ، فقال : ( خذ هذه ، فأدها مما عليك يا سلمان
) قال : قلت : وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي
؟ فقال : خذها فإن الله سيؤدي بها عنك .
قال : فأخذتها فوزنت لهم منها ، والذي نفس
سلمان بيده أربعين أوقية ، فأوفيتهم حقهم منها ، وعتق سلمان .
فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخندق حرا ، ثم لم
يفتني معه مشهد .
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب ،
عن رجل من عبدالقيس عن سلمان : أنه قال : لما قلت :
وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله ؟ أخذها رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقلبها على لسانه ، ثم قال : خذها فأوفهم منها
، فأخذتها ، فأوفيتهم منها حقهم كله ، أربعين أوقية .
حديث
سلمان مع الرجل الذي بعمورية
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمرو بن
قتادة ، قال : حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبدالعزيز بن مروان
، قال : حُدثت عن سلمان الفارسي : أنه قال لرسول الله صلى
الله عليه وسلم ، حين أخبره خبره : إن صاحب عمورية قال له
: ائت كذا وكذا من أرض الشام ، فإن بها رجلا بين غيضتين ، يخرج
في كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزا ، يعترضه ذوو
الأسقام ، فلا يدعو لأحد منهم إلا شفي ، فاسأله عن هذا الدين الذي
تبتغي ، فهو يخبرك عنه . قال سلمان : فخرجت حتى أتيت حيث
وصف لي ، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هنالك ، حتى خرج لهم تلك
الليلة ، مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى ، فغشيه الناس
بمرضاهم ، لا يدعو لمريض إلا شفي ، وغلبوني عليه ، فلم أخلص إليه
حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخل ، إلا منكبه .
قال : فتناولته ، فقال : من هذا ؟
والتفت إلي ، فقلت : يرحمك الله ، أخبرني عن الحنيفية دين
إبراهيم . قال : إنك لتسألني عن شيء ما يسأل عنه الناس
اليوم ، قد أظلك زمان نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم ، فأته فهو
يحملك عليه . قال : ثم دخل .
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لسلمان : لئن كنت صدقتني يا سلمان ، لقد لقيت عيسى بن مريم ،
على نبينا وعليه السلام .
ذكر
ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى وعبيد الله بن جحش وعثمان بن
الحويرث وزيد بن عمرو بن نفيل
تشككهم
في الوثنية
قال ابن إسحاق : واجتمعت قريش يوما في عيد
لهم عند صنم من أصنامهم ، كانوا يعظمونه وينحرون له ، ويعكفون عنده
، ويديرون به ، وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة يوما ، فخلص منهم
أربعة نفر نجيا ، ثم قال بعضهم لبعض : تصادقوا وَلْيَكْتُم
بعضكم على بعض ؛ قالوا : أجل . وهم : ورقة بن نوفل بن
أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي ؛ وعبيد
الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن
دودان بن أسد بن خزيمة ، وكانت أمه أميمة بنت عبدالمطلب ، وعثمان
بن الحويرث بن أسد بن عبدالعزى بن قصي ؛ وزيد بن عمرو بن نفيل بن
عبدالعزى بن عبدالله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي
؛ فقال بعضهم لبعض : تعلموا والله ما قومكم على شيء ! لقد
أخطئوا دين أبيهم إبراهيم ! ما حجر نُطيف به ، لا يسمع ولا
يبصر ، ولا يضر ولا ينفع ، يا قوم التمسوا لأنفسكم دينا ، فإنكم
والله ما أنتم على شيء . فتفرقوا في البلدان يلتسمون الحنيفية
، دين إبراهيم .
تنصر
ورقة وابن جحش
فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية ، واتبع
الكتب من أهلها ، حتى علم علما من أهل الكتاب .
وأما عبيد الله بن جحش ، فأقام على ما هو عليه من
الالتباس حتى أسلم ، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ، ومعه امرأته
أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة ؛ فلما قدمها تنصر ، وفارق الإسلام ،
حتى هلك هنالك نصرانيا .
ابن
جحش يغري مهاجري الحبشة على التنصر
قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر بن
الزبير ، قال : كان عبيد الله بن جحش حين تنصر يمر بأصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم هنالك من أرض الحبشة ، فيقول
: فقَّحْنا وصأصأتم ، أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ، ولم
تبصروا بعد . وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه لينظر
، صأصأ لينظر . وقوله : فقح : فتح عينيه .
رسول
الله صلى الله عليه وسلم يخلف على زوجة ابن جحش بعد وفاته
قال ابن إسحاق : وخلف رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعده على امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب .
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن علي بن حسين
: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فيها إلى النجاشي عمرو
بن أمية الضمري ، فخطبها عليه النجاشي ، فزوجه إياها ، وأصدقها عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار .
فقال محمد بن علي : ما نرى عبدالملك بن مروان
وقف صداق النساء على أربعمائة دينار إلا عن ذلك . وكان الذي
أملكها النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن سعيد بن العاص .
تنصر ابن الحويرث ، وقدومه على قيصر
قال ابن إسحاق : وأما عثمان بن الحويرث فقدم
على قيصر ملك الروم ، فتنصَّر وحسنت منزلته عنده .
قال ابن هشام : ولعثمان بن الحويرث عند قيصر
حديث ، منعني من ذكره ما ذكرت في حديث حرب الفجار .
زيد
بن عمرو يتوقف عن جميع الأديان
قال ابن إسحاق : وأما زيد بن عمرو بن نفيل
فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية ، وفارق دين قومه ، فاعتزل
الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان ونهى عن
قتل الموءودة ، وقال : أعبد رب إبراهيم ؛ وبادى قومه بعيب ما
هم عليه .
قال ابن إسحاق : وحدثني هشام بن عروة عن أبيه
، عن أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، قالت : لقد رأيت
زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة ، وهو يقول
: يا معشر قريش ، والذي نفس زيد بن عمرو بيده ، ما أصبح منكم
أحد على دين إبراهيم غيري ، ثم يقول : اللهم لو أني أعلم أي
الوجوه أحب إليك عبدتك به ، ولكني لا أعلمه ، ثم يسجد على راحلته
.
قال ابن إسحاق : وحدثت أن ابنه ، سعيد بن زيد
بن عمرو بن نفيل ، وعمر بن الخطاب ، وهو ابن عمه ، قالا لرسول الله
صلى الله عليه وسلم : أتستغفر لزيد بن عمرو ؟ قال :
نعم ، فإنه يُبعث أمة وحده .
شعر
زيد في فراق الوثنية
وقال زيد بن عمرو بن نفيل في فراق دين قومه ، وما
كان لقي منهم في ذلك :
أربا واحدا أم ألف رب * أدين إذا تُقسمت الأمورُ
عزلت اللات والعزى جميعا * كذلك يفعل الجلد
الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمَيْ بن عمرو
أزور
ولا هبلا أدين وكان ربا * لنا في الدهر إذ حلمي
يسير
عجبت وفي الليالي مُعجبات * وفي الأيام يعرفها
البصير
بأن الله قد أفنى رجالا * كثيرا كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قوم * فيربِل منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يفتر ثاب يوما * كما يتروّح الغصن
المطير
ولكن أعبدالرحمن ربي * ليغفر ذنبي الرب الغفور
فتقوى الله ربكم احفظوها * متى ما تحفظوها لا
تبوروا
ترى الأبرار دارهمُ جنان * وللكفار حامية سعير
وخزي في الحياة وإن يموتوا * يلاقوا ما تضيق به
الصدور
وقال زيد بن عمرو بن نفيل أيضا - قال ابن هشام
: هي لأمية بن أبي الصلت في قصيدة له ، إلا البيتين الأولين
والبيت الخامس وآخرها بيتا . وعجز البيت الأول عن غير ابن
إسحاق - :
إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا * وقولا رصينا لا
يـَني الدهر باقيا
إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه * إله ولا رب
يكون مدانيا
ألا أيها الإنسان إياك والردى * فإنك لا تخفي من
الله خافيا
وإياك لا تجعل مع الله غيره * فإن سبيل الرشد
أصبح باديا
حنانيك إن الحن كانت رجاءهم * وأنت إلهي ربنا
ورجائيا
رضيت بك اللهم ربَّا فلن أرى * أدين إلها غيرك
الله ثانيا
أدين لرب يُستجاب و لا أرى* أدين لمن لم يسمع
الدهر داعيا
وأنت الذي من فضل منّ ورحمة * بعثت إلى موسى
رسولا مناديا
فقلت له يا اذهب وهارون فادعوا * إلى الله فرعون
الذي كان طاغيا
وقولا له : أأنت سويت هذه * بلا وتد حتى
اطمأنت كما هيا
وقولا له : أأنت رفعت هذه * بلا عمد أرفقْ
إذا بك بانيا
وقولا له : أأنت سويت وسطها * منيرا إذا ما
جنه الليل هاديا
وقولا له : من يرسل الشمس غدوة * فيصبح ما
مست من الأرض ضاحيا
وقولا له : من ينبت الحب في الثرى * فيصبح
منه البقل يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رءوسه * وفي ذاك آيات لمن كان
واعيا
وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت
لياليا
وإني ولو سبحت باسمك ربنا * لأكثر ، إلا ما غفرت
، خطائيا
فرب العباد ألقِ سيبا ورحمة * علي وبارك في
بَنيَّ وماليا
وقال زيد بن عمرو يعاتب امرأته صفية بنت الحضرمي
-
نسب الحضرمي
قال ابن هشام : واسم الحضرمي : عبدالله
بن عماد بن أكبر أحد الصدف ، واسم الصدف : عمرو بن مالك أحد
السكون بن أشرس بن كندي ؛ ويقال : كندة بن ثور بن مرتع بن عفير
بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن
زيد بن كهلان بن سبأ ؛ ويقال : مرتع بن مالك بن زيد بن كهلان
بن سبأ .
زيد
يعاتب زوجته لمنعها له عن البحث في الحنيفية
قال ابن إسحاق : وكان زيد بن عمرو قد أجمع
الخروج من مكة ليضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم صلى الله
عليه وسلم ، فكانت صفية بنت الحضرمي كلما رأته قد تهيأ للخروج
وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل ، وكان الخطاب بن نفيل عمه وأخاه
لأمه ، وكان يعاتبه على فراق دين قومه ، وكان الخطاب قد وكَّل صفية
به ، وقال : إذا رأيتيه قد هم بأمر فآذنيني به - فقال زيد
:
لا تحبسيني في الهوا ن * صفيَّ ما دأبي ودابُهْ
إني إذا خفت الهوا ن * مشيع ذُلُل ركابه
دعموص أبواب الملو ك * وجائب للخرق نابه
قطاع أسباب تذ لّ * بغير أقران صعابه
وإنما أخذ الهوا ن * العير إذ يوهي إهابه
ويقول إني لا أذ لّ بصك * جنبيه صلابه
وأخي ابن أمي ثم * عمّي لا يُواتيني خطابه
وإذا يعاتبني بسو ء * قلت أعياني جوابه
ولو أشاء لقلت ما * عندي مفاتحه وبابه
قول
زيد حين يستقبل الكعبة
قال ابن إسحاق : وحدثت عن بعض أهل زيد بن
عمرو بن نفيل ، أن زيدا كان إذا استقبل الكعبة داخل المسجد ، قال
: لبيك حقا حقا ، تعبدا ورقا .
عذت بما عاذ به إبراهيمْ * مستقبل القبلة وهو
قائم
إذ قال :
أنفي لك اللهم عان راغمْ * مهما تجشمني فإني جاشم
البرَّ أبغي لا الخال * ليس مُهجِّر كمن قال
قال ابن هشام : ويقال : البر أبقى لا
الخال ، ليس مهجر كمن قال .
قال : وقوله ( مستقبل الكعبة ) عن
بعض أهل العلم .
قال ابن إسحاق : وقال زيد بن عمرو بن نفيل
:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا
ثقالا
دحاها فلما رآها استوت * على الماء أرسى عليها
الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا
زلالا
إذا هي سيقت إلى بلدة * أطاعت فصبت عليها سجالا
الخطاب
يؤذي زيدا ويحاصره
وكان الخطاب قد آذى زيدا ، حتى أخرجه إلى أعلى
مكة ، فنزل حراء مقابل مكة ، ووكل به الخطاب شبابا من شباب قريش
وسفهاء من سفهائها ، فقال لهم : لا تتركوه يدخل مكة ؛ فكان لا
يدخلها إلا سرا منهم ، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه
وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم ، وأن يتابعه أحد منهم على فراقه
.
فقال وهو يعظم حرمته على من استحل منه ما استحل
من قومه :
لاهُمَّ إني محرم لا حِلَّهْ * وإن بيتي أوسط
المحلَّهْ
عند الصفا ليس بذي مَضلَّهْ *
زيد
يرحل إلى الشام وموته
ثم خرج يطلب دين إبراهيم عليه السلام ، ويسأل
الرهبان والأحبار ، حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها ، ثم أقبل فجال
الشام كله ، حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء كان ينتهي
إليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون ، فسأله عن الحنيفية دين
إبراهيم ؛ فقال : إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه
اليوم ، ولكن قد أظل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها ،
يُبعث بدين إبراهيم الحنيفية ، فالحق بها ، فإنه مبعوث الآن ، هذا
زمانه .
وقد كان شامَّ اليهودية والنصرانية ، فلم يرض
شيئا منهما ، فخرج سريعا ، حين قال له ذلك الراهب ما قال ، يريد
مكة ، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه .
ورقة
يرثي زيدا
فقال ورقة بن نوفل بن أسد يبكيه :
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من
النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي
كما هيا
وإدراكك الدين الذي قد طلبته * ولم تك عن توحيد
ربك ساهيا
فأصبحت في دار كريم مقامها * تُعلَّل فيها
بالكرامة لاهيا
تلاقي خليل الله فيها ولم تكن * من الناس جبارا
إلى النار هاويا
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه * ولو كان تحت الأرض
سبعين واديا
قال ابن هشام : يروى لأمية بن أبي الصلت
البيتان الأولان منها ، وآخرها بيتا في قصيدة له ، وقوله :
( أوثان الطواغي ) عن غير ابن إسحاق .