|
الوليد
بن المغيرة و كيده للرسول ، وموقفه من القرآن
اجتماعه بنفر من قريش ليبيتوا ضد النبي
صلى الله عليه و سلم
و اتفاق قريش أن يصفوا الرسول صلى الله
عليه و سلم بالساحر ، و ما أنزل الله فيهم
ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر
من قريش ، وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم فقال لهم
: يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود
العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ،
فأجمعوا فيه رأيا واحدا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ،
ويرد قولكم بعضه بعضا ؛ قالوا : فأنت يا أبا عبد شمس ،
فقلْ وأقمْ لنا رأيا نقول به ؛ قال : بل أنتم فقولوا
أسمعْ ؛ قالوا : نقول كاهن ؛ قال : لا والله ما هو
بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ؛
قالوا : فنقول : مجنون ؛ قال : ما هو بمجنون ،
لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ، ولا تخالجه ،
ولا وسوسته ؛ قالوا : فنقول : شاعر ؛ قال : ما
هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه
ومبسوطه ، فما هو بالشعر ؛ قالوا : فنقول : ساحر ؛
قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو
بنفثهم ولا عقدهم ؛ قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس
؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق ،
وإن فرعه لجناة - قال ابن هشام : ويقال لغَدَق - وما
أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عُرف أنه باطل ، وإن أقرب
القول فيه لأن تقولوا ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرق به بين
المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ،
وبين المرء وعشيرته .
فتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل
الناس حين قدموا الموسم ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ،
وذكروا لهم أمره .
فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة و
في ذلك من قوله : (
ذرني ومن خلقت وحيدا ، وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ،
ومهَّدت له تمهيدا . ثم يطمع أن أزيد . كلا إنه
كان لآياتنا عنيدا ) : أي خصيما .
قال ابن هشام : عنيد : معاند
مخالف . قال رؤبة بن العجاج :
ونحن ضرابون رأس العُنَّدِ *
وهذا البيت في أرجوزة له .
(
سأرهقه صعودا ، إنه فكر وقدر ، فقتل كيف قدر . ثم قتل
كيف قدر . ثم نظر ، ثم عبس وبسر )
.
قال ابن هشام : بسر : كره وجهه
. قال العجاج :
مضبر اللحيين بسرا منهسا *
صف كراهية وجهه . وهذا البيت في أرجوزة له .
(
ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر ، إن هذا إلا
قول البشر ) .
رد القرآن على صحب الوليد
قال ابن إسحاق : وأنزل الله تعالى
: في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وفيما جاء به من الله تعالى : (
كما أنزلنا على المقتسمين . الذين جعلوا القرآن عضين
. فوربك لنسئلنهم أجمعين . عما كانوا يعملون )
.
قال ابن هشام : واحدة العضين :
عضة ، يقول : عضوه : فرقوه . قال رؤبة بن
العجاج :
وليس دين الله بالمُعَضَّى * وهذا البيت
في أرجوزة له . (2/ 108)
تفرق
النفر في قريش يشوهون رسالة الرسول صلى الله عليه و سلم
قال ابن إسحاق : فجعل أولئك النفر
يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من
الناس ، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى
الله عليه وسلم ؛ فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها .
شعر أبي طالب في معاداة خصومه
فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه
مع قومه ، قال قصيدته التى تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه
منها ، وتودد فيها أشراف قومه ، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم
في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم
، ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه ، فقال :
ولما رأيت القوم لا ود فيهمُ * وقد قطعوا
كل العرى والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى * وقد
طاوعوا أمر العدو المزايل
وقد حالفوا قوما علينا أظنّة * يعضون
غيظا خلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة * وأبيض عضب
من تراث المقاول
وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي * وأمسكت
من أثوابه بالوصائل
قياما معا مستقبلين رتاجه * لدي حيث يقضي
حلفه كل نافل
وحيث يُنيخ الأشعرون ركابهم * بمفضَى
السيول من إساف ونائل
موسمَّة الأعضاد أو قصراتها * مخُيَّسة
بين السَّديس وبازل
ترى الودع فيها والرخام وزينة * بأعناقها
معقودة كالعثاكل
أعوذ برب الناس من كل طاعن * علينا بسوء
أو مُلحّ بباطل
ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة * ومن ملحق في
الدين ما لم نحاول
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى
في حراء ونازل
وبالبيت ، حق البيت ، من بطن مكة *
وبالله إن الله ليس بغافل
وبالحجر المسودّ إذ يمسحونه * إذا
اكتنفوه بالضحى والأصائل
وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة * على
قدميه حافيا غير ناعل
وأشواط بين المروتين إلى الصفا * وما
فيهما من صورة وتماثل
ومن حج بيت الله من كل راكب * ومن كل ذي
نذر ومن كل راجل
وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له * إلالٌ
إلى مُفضَى الشراج القوابل
وتوقافهم فوق الجبال عشية * يقيمون
بالأيدي صدور الرواحل
وليلة جمع والمنازل من منى * وهل فوقها
من حرمة ومنازل
وجمع إذا ما المقربات أجزنه * سراعا كما
يخرجن من وقع وابل
وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها * يؤمون
قذفا رأسها بالجنادل
وكندة إذ هم بالحصاب عشية * تجيز بهم
حُجَّاج بكر بن وائل
حليفان شدا عقد ما احتلفا له * وردَّا
عليه عاطفات الوسائل
وحطمهمُ سمُر الصفاح وسرحه * وشبرقة
وَخْدَ النعام الجوافل
فهل بعد هذا من معاذ لعائذ * وهل من معيذ
يتقى الله عاذل
يُطاع بنا أمر العدَّى وودّوا لو اننا *
تُسد بنا أبواب ترك وكابل
كذبتم وبيت الله نترك مكة * ونظعن إلا
أمركم في بلابل
كذبتم وبيت الله نُبزَى محمدا * ولما
نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله * و نذهل عن
أبنائنا والحلائل
وينهض قوم في الحديد إليكمُ * نهوض
الروايا تحت ذات الصلاصل
وحتى ترى ذا الضغن يركب * رَدْعه من
الطعن فعل الأنكب المتحامل
وإنا لعمر الله إنْ جدَّ ما أرى *
لَتلتبسنْ أسيافنا بالأماثل
بِكفَّيْ فتى مثل الشهاب سميدع * أخي ثقة
حامي الحقيقة باسل
شهورا وأياما وحولا مجَرَّما * علينا
وتأتي حِجة بعد قابل
وما ترك قوم ، لا أبا لك ، سيدا * يحوط
الذمار غير ذرب مواكل
وأبيض يستقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى
عصمة للأرامل
يلوذ به الهُلاّف من آل هاشم * فهم عنده
في رحمة وفواضل
لعمري لقد أجرى أسيد وبكره * إلى بغضنا
وجزّآنا لآكل
وعثمان لم يربع علينا وقنفذ * ولكن أطاعا
أمر تلك القبائل
أطاعا أُبيّا وابن عبد يغوثهم * ولم
يرقبا فينا مقالة قائل
كما قد لقينا من سُبيع ونوفل * وكلٌّ
تولى معرضا لم يجُامل
فإن يُلْقيا أو يمُكن الله منهما * نكلْ
لهما صاعا بصاع المُكايل
وذاك أبو عمرو أبي غير بُغضنا * ليُظعننا
في أهل شاء وجامل
يناجي بنا في كل ممسى ومصبح * فناج أبا
عمرو بنا ثم خاتل
ويُؤْلى لنا بالله ما إن يغشُّنا * بلى
قد نراه جهرة غير حائل
أضاق عليه بغضنا كل تلعة * من الأرض بين
أخشب فمجادل
وسائلْ أبا الوليد ماذا حبوتنا * بسعيك
فينا معرضا كالمخاتل
وكنت امرأ ممن يُعاش برأيه * ورحمته فينا
ولست بجاهل
فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح * حسود كذوب
مبغض ذي دغاول
ومر أبو سفيان عني معرضا * كما مر قَيْلٌ
من عظام المقاول
يفر إلى نجد وبرد مياهه * ويزعم أني لست
عنكم بغافل
ويخبرنا فعل المناصح أنه * شفيق ويخفي
عارمات الدواخل
أمطعمُ لم أخذلك في يوم نجدة * ولا معظم
عند الأمور الجلائل
ولا يوم خصم إذا أتوك ألدّة * أُولي جدل
من الخصوم المساجل
أمطعم إن القوم ساموك خطة * وإني متى
أُوكلْ فلست بوائل
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر
عاجلا غير آجل
بميزان قسط لا يخُسّ شعيرة * له شاهد من
نفسه غير عائل
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بني خلف
قيضا بنا والغياطل
ونحن الصميم من ذؤابة هاشم * وآل قصي في
الخطوب الأوائل
وسهم ومخزوم تمالوا وألَّبوا * علينا
العدا من كل طمل وخامل
فعبد مناف أنتم خير قومكم * فلا تشركوا
في أمركم كل واغل
لعمري لقد وهنتمُ وعجزتمُ * وجئتم بأمر
مخطىء للمفاصل
وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم الْ آن * حطاب
أَقدُر ومراجل
ليهنىء بني عبد مناف عقوقنا * وخذلاننا
وتركنا في المعاقل
فإن نك قوما نتَّئر ما صنعتمُ *
وتحتلبوها لقحة غير باهل
وسائط كانت في لؤي بن غالب * نفاهم إلينا
كل صقر حُلاحل
ورهط نفيل شر من وطىء الحصى * وألأم حاف
من معد وناعل
فأبلغ قصيا أن سيُنشر أمرنا * وبشر قصيا
بعدنا بالتخاذل
ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة * إذا ما لجأنا
دونهم في المداخل
ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم * لكنا أٌسى
عند النساء المطافل
فكل صديق وابن أخت نعده * لعمري وجدنا
غِبَّه غير طائل
سوى أن رهطا من كلاب بن مرة * براء إلينا
من معقَّة خاذل
وهنَّا لهم حتى تبدد جمعهم * ويحسر عنا
كل باغ وجاهل
وكان لنا حوض السقاية فيهم * ونحن الكُدى
من غالب والكواهل
شباب من المطيِّبين وهاشم * كبيض السيوف
بين أيدي الصياقل
فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دما * ولا
حالفوا إلا شرار القبائل
بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم * ضواري أسود
فوق لحم خرادل
بني أمة محبوبة هندكية * بني جمح عُبيد
قيس بن عاقل
ولكننا نسل كرام لسادة * بهم نُعي
الأقوام عند البواطل
ونعم ابن أخت القوم غير مكذَّب * زهير
حساما مفردا من حمائل
أشمُّ من الشم البهاليل ينتمي * إلى حسب
في حومة المجد فاضل
لعمري لقد كُلِّفت وجدا بأحمد * وإخوته
دأب المحب المواصل
فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها * وزينا
لمن والاه رب المشاكل
فمن مثله في الناس أي مُؤمَّل * إذا قاسه
الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عادل غير طائش * يوالي إلاها
ليس عنه بغافل
فوالله لولا أن أجيء بسنة * تجُر على
أشياخنا في المحافل
لكنا اتبعناه على كل حالة * من الدهر
جِدّا غير قول التهازل
لقد علموا أن ابننا لا مكذَّب * لدينا
ولا يُعنى بقول الأباطل
فأصبح فينا أحمد في أرومة * تُقصِّر عنه
سورة المتطاول
حدبت بنفسي دونه وحميته * ودافعت عنه
بالذرا والكلاكل
فأيده ربُّ العباد بنصره * وأظهر دينا
حقه غير باطل
رجال كرام غير مِيل نماهم * إلى الخير
آباء كرام المحاصل
فإن تك كعب من لؤي صُقيبة * فلا بد يوما
مرة من تزايل
قال ابن هشام : هذا ما صح لي من هذه
القصيدة ، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها .
الرسول عليه الصلاة والسلام يستقي لأهل
المدينة حين أقحطوا ، فنـزل المطر ، وود لو أن أبا طالب حي
، ليرى ذلك
قال ابن هشام : وحدثني من أثق به ،
قال : أقحط أهل المدينة ، فأتوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فشكوا ذلك إليه ، فصعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم المنبر فاستسقى ، فما لبث أن جاء من المطر ما
أتاه أهل الضواحي يشكون منه الغرق ؛ فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : اللهم حوالينا ولا علينا ، فانجاب
السحاب عن المدبنة فصار حوليها كالإكليل ؛ فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : لو أردك أبو طالب هذا اليوم لسره
، فقال له بعض أصحابه : كأنك يا رسول الله أردت قوله
:
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه * ثمال
اليتامى عصمة للأرامل
قال : أجل . قال ابن هشام :
وقوله ( وشبرقة ) عن غير ابن إسحاق . ذكر
الأسماء التى وردت في قصيدة أبي طالب
قال ابن إسحاق : والغياطل : من
بني سهم بن عمرو بن هصيص ، وأبو سفيان بن حرب بن أمية
. ومطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف . وزهير بن
أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، و أمه
عاتكة بنت عبدالمطلب . قال ابن إسحاق : وأسيد ،
وبكره : عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس
بن عبد مناف بن قصي . وعثمان بن عبيد الله ، أخو طلحة
بن عبيد الله التيمي . وقنفذ بن عمير بن جدعان بن عمرو
بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة . وأبو الوليد عتبة بن
ربيعة . وأُبيّ الأخنس بن شريق الثقفي ، حليف بني زهرة
بن كلاب . قال ابن هشام : وإنما سمي الأخنس ، لأنه
خنس بالقوم يوم بدر ، وإنما اسمه أُبي ، وهو من بني علاج ،
وهو علاج بن أبي سلمة بن عوف بن عقبة . والأسود بن عبد
يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب . وسبيع بن
خالد ، أخو بلحارث بن فهر . ونوفل بن خويلد بن أسد بن
عبدالعزى بن قصي ، وهو ابن العدوية . وكان من شياطين
قريش ، وهو الذي قرن بين أبي بكر الصديق وطلحة بن عبيد
الله رضي الله عنهما في حبل حين أسلما ، فبذلك كانا
يُسميان القرينين ؛ قتله علي بن أبي طالب عليه السلام يوم
بدر . وأبو عمرو قُرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد
مناف .
( وقوم علينا أظنَّة ) : بنو
بكر بن عبد مناة بن كنانة ، فهؤلاء الذين عدد أبو طالب في
شعره من العرب .
انتشار
ذكر الرسول في القبائل خارج مكة ، و لاسيما في الأوس و
الخزرج
فلما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم في العرب ، وبلغ البلدان ، ذكر بالمدينة ، ولم يكن حي
من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر
، وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج ، وذلك لما
كانوا يسمعون من أحبار اليهود ، وكانوا لهم حلفاء ، ومعهم
في بلادهم . فلما وقع ذكره بالمدينة ، وتحدثوا بما بين
قريش فيه من الاختلاف . قال أبو قيس بن الأسلت .
أخو بني واقف .
نسب
أبي قيس بن الأسلت
قال ابن هشام : نسب ابن إسحاق أبا
قيس هذا هاهنا إلى بني واقف ، ونسبه في حديث الفيل إلى
خطمة ، لأن العرب قد تنسب الرجل إلى أخي جده الذي هو أشهر
منه .
قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة
: أن الحكم بن عمرو الغفاري من ولد نُعيلة أخي غفار
. وهو غفار بن مليل ، ونعيلة بن مليل بن ضمرة بن بكر
ابن عبد مناة ، وقد قالوا عتبة بن غزوان السلمي ، وهو من
ولد مازن بن منصور وسُليم بن منصور . قال ابن هشام
: فأبو قيس بن الأسلت : من بني وائل ؛ ووائل ،
وواقف ، وخطمة إخوة من الأوس .
شعر
ابن الأسلت في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : فقال أبو قيس بن
الأسلت - وكان يحب قريشا ، وكان لهم صهرا ، كانت عنده أرنب
بنت أسد بن عبدالعزى بن قصي ، وكان يقيم عندهم السنين
بامرأته - قصيدة يعظم فيها الحرمة ، وينهى قريشا فيها عن
الحرب ، ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض ، ويذكر فضلهم
وأحلامهم ، ويأمرهم بالكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
، ويذكرهم بلاء الله عندهم ، ودَفْعَه عنهم الفيل وكيده
عنهم ، فقال :
يا راكبا إما عرضت فبلغن * مغلغلة عني
لؤي بن غالب
رسول امرئ قد راعه ذات بينكم * على النأي
محزون بذلك ناصب
وقد كان عندي للهموم معرَّس * فلم أقض
منها حاجتي ومآربي
نُبيِّتكم شرجين كل قبيلة * لها أزمل من
بين مُذْك وحاطب
أعيذكم بالله من شر صنعكم * وشر تباغيكم
ودس العقارب
وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة * كوخز الأشافي
وقعها حق صائب
فذكِّرهم بالله أول وهلة * وإحلال أحرام
الظباء الشوازب
وقل لهم والله يحكم حكمه * ذروا الحرب
تذهب عنكم في المراحب
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة * هي الغُول
للأقصَين أو للأقارب
تُقطِّع أرحاما وتهلك أمة * وتَبرْي
السديف من سنام وغارب
وتستبدلوا بالأتحمية بعدها * شليلا
وأصداء ثياب المحارب
وبالمسك والكافور غُبرْا سوابغا * كأن
قتيرَيْها عيون الجنادب
فإياكمُ والحرب لا تعلقنَّكم * و حوضا
وخِيم الماء مر المشارب
تزين للأقوام ثم يرونها * بعاقبة إذ
بيَّنت ، أم صاحب
تحرق لا تُشوي ضعيفا وتنتحي * ذوي العز
منكم بالحتوف الصوائب
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس *
فتعتبروا أو كان في حرب حاطب
وكم قد أصابت من شريف مسوَّد * طويل
العماد ضيفُه غير خائب
عظيم رماد النار يحُمد أمره * وذي شيمة
محض كريم المضارب
وماء هُريق في الضلال كأنما * أذاعت به
ريح الصبا والجنائب
يخبركم عنها امرؤ حق عالم * بأيامها
والعلم علم التجارب
فبيعوا الحراب مِلْمُحارب واذكروا *
حسابكم والله خير محاسب
وليّ امرىء فاختار دينا فلا يكن * عليكم
رقيبا غير رب الثواقب
أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم * لنا غاية
قد يهتدى بالذوائب
وأنتم لهذا الناس نور وعصمة * تُؤَمُّون
، والأحلام غير عوازب
وأنتم ، إذا ما حصل الناس ، جوهر * لكم
سرة البطحاء شم الأرانب
تصونون أجسادا كراما عتيقة * مهذبة
الأنساب غير أشائب
ترى طالب الحاجات نحو بيوتكم * عصائب
هلكى تهتدي بعصائب
لقد علم الأقوام أن سراتكم * على كل حال
خير أهل الجباجب
وأفضله رأيا وأعلاه سنة وأَقولُه للحق
وسط المواكب *
فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا * بأركان هذا
البيت بين الأخاشب
فعندكم منه بلاء ومصدق * غداة أبي يكسوم
هادي الكتائب
كتيبته بالسهل تمُسي ورَجْلُه * على
القاذفات في رءوس المناقب
فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم * جنود
المليك بين ساف وحاصب
فولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله
مِلْحُبْش غير عصائب
فإن تهلكوا نهلكْ وتهلكْ مواسم * يُعاش
بها ، قول امرئ غير كاذب
قال ابن هشام : أنشدني بيته :
( وماء هريق ) ، وبيته : ( فبيعوا الحراب
) ، وقوله : ( ولي امرىء فاختار ) ، وقوله
:
على القاذفات في رءوس المناقب *
أبو زيد الأنصاري وغيره .
حرب داحس
والغبراء
قال ابن هشام : وأما قوله :
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس *
فحدثني أبو عبيدة النحوي : أن داحسا
فرس كان لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن
الحارث بن مازن بن قُطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان
؛ أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن زيد بن جؤية بن
لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث
بن غطفان ، يقال لها : الغبراء .
فدس حذيفة قوما وأمرهم أن يضربوا وجه
داحس إن رأوه قد جاء سابقا ، فجاء داحس سابقا فضربوا وجهه
، وجاءت الغبراء . فلما جاء فارس داحس أخبر قيسا الخبر
، فوثب أخوه مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء ، فقام حمَل بن
بدر فلطم مالكا . ثم إن أبا الجُنَيْدب العبسي لقي عوف
بن حذيفة فقتله ، ثم لقي رجل من بني فزارة مالكا فقتله ،
فقال حمل بن بدر أخو حذيفة بن بدر :
قتلنا بعوف مالكا وهو ثأرنا * فإن تطلبوا
منا سوى الحق تندموا
وهذا البيت في أبيات له . وقال
الربيع بن زياد العبسي :
أفبعد مقتل مالك بن زهير * ترجو النساء
عواقب الأطهار
وهذا البيت في قصيدة له .
فوقعت الحرب بين عبس وفزارة ، فقتل حذيفة
بن بدر وأخوه حمل بن بدر ، فقال قيس بن زهير بن جذيمة يرثي
حذيفة ، وجزع عليه :
كم فارس يُدعى وليس بفارس * وعلى الهباءة
فارس ذو مَصْدَقِ
فابكوا حذيفة لن تُرَثُّوا مثله * حتى
تبيد قبائل لم تخلق
وهذان البيتان في أبيات له . وقال
قيس بن زهير :
على أن الفتى حمل بن بدر بغى والظلم
مرتعه وخيم *
وهذا البيت في أبيات له . وقال
الحارث بن زهير أخو قيس بن زهير:
تركت على الهباءة غير فخر * حذيفة عنده
قصد العوالي
وهذا البيت في أبيات له .
قال ابن هشام : ويقال : أرسل قيس
داحسا والغبراء ، وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء ، والأول
أصح الحديثين . وهو حديث طويل منعني من استقصائه قطعه
حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حرب حاطب
قال ابن هشام : وأما قوله :
( حرب حاطب ) . فيعني حاطب بن الحارث ابن قيس
بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن
عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، كان قتل يهوديا جارا
للخزرج ، فخرج إليه يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر
بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج -
وهو الذي يقال له : ابن فُسحم ، وفسحم أمه ، وهي امرأة
من القين بن جسر - ليلا في نفر من بني الحارث بن الخزرج
فقتلوه ، فوقعت الحرب بين الأوس والخزرج فاقتتلوا قتالا
شديدا ، فكان الظفر للخزرج على الأوس ، وقتل يومئذ سويد بن
صامت بن خالد بن عطية بن حوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن
مالك بن الأوس ، قتله المجذَّر بن ذياد البلوي ، واسمه
عبدالله ، حليف بني عوف بن الخزرج .
فلما كان يوم أحد خرج المجذر بن ذياد مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج معه الحارث بن سويد
بن صامت ، فوجد الحارث بن سويد غِرَّة من المجذر فقتله
بأبيه . وسأذكر حديثه في موضعه إن شاء الله تعالى
. ثم كانت بينهم حروب منعني من ذكرها واستقصاء هذا
الحديث ما ذكرت في حديث حرب داحس .
شعر حكيم بن أمية في نهي قومه عن عداوة
الرسول صلى الله عليه و سلم
قال ابن إسحاق : وقال حكيم بن أمية
بن حارثة بن الأوقص السلمي ، حليف بني أمية وقد أسلم ،
يورّع قومه عما أجمعوا عليه من عداوة رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وكان فيهم شريفا مطاعا :
هل قائل قولا هو الحق قاعد * عليه وهل
غضبان للرشد سامعُ
وهل سيد ترجو العشيرةُ نفعه * لأقصى
الموالي والأقارب جامع
تبرأت إلا وجه من يملك الصبا * وأهجركم
ما دام مُدْل ونازع
وأُسلم وجهي للإله ومنطقي * ولو راعني من
الصديق روائع
ذكر
ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه
سفهاء
قريش يأذونه ، و رميه صلى الله عليه و سلم بالسحر و الجنون
قال ابن إسحاق : ثم إن قريش اشتد
أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله صلى الله
عليه وسلم ومن أسلم معه منهم ، فأغروا برسول الله صلى الله
عليه وسلم : سفهاءهم ، فكذبوه وآذوه ، ورموه بالشعر
والسحر والكهانة والجنون ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم
مظهر لأمر الله لا يستخفي به ، مباد لهم بما يكرهون من عيب
دينهم ، واعتزال أوثانهم ، وفراقه إياهم كفرهم .
أشد
ما أوذي به الرسول صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : فحدثني يحيى بن عروة
بن الزبير ، عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عبدالله بن عمرو
بن العاص ، قال : قلت له : ما أكثر ما رأيت قريشا
أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا
يُظهرون من عداوته ؟ قال : حضرتهم ، وقد اجتمع
أشرافهم يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر
هذا الرجل قط ، سفه أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ،
وفرق جماعتنا ، وسب آلهتنا ، لقد صبرنا منه على أمر عظيم ،
أو كما قالوا : فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ثم مر بهم
طائفا بالبيت ، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول . قال
: فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
.
قال : ثم مضى ، فلما مر بهم الثانية
غمزوه بمثلها ، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ثم مر الثالثة فغمزوه بمثلها ، فوقف ، ثم قال
: أتسمعون يا معشر قريش ، أما والذي نفسي بيده ، لقد
جئتكم بالذبح . قال : فأخذت القوم كلمته حتى ما
منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع ، حتى إن أشدهم فيه
وصاة قبل ذلك ليرفَؤُه بأحسن ما يجد من القول ، حتى إنه
ليقول : انصرف يا أبا القاسم ، فوالله ما كنت جهولا
.
قال : فانصرف رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم
؛ فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم ، وما بلغكم
عنه ، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه . فبينما هم
في ذلك طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوثبوا
إليه وثبة رجل واحد ، وأحاطوا به ، يقولون : أنت الذي
تقول كذا وكذا ، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم ؛
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، أنا الذي
أقول ذلك . قال : فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع
ردائه .
قال : فقام أبو بكر رضي الله عنه
دونه ، وهو يبكي ويقول : أتقتلون رجلا أن يقول ربي
الله ؟ ثم انصرفوا عنه ، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا
نالوا منه قط .
بعض
ما نال أبا بكر في سبيل الرسول صلى الله عليه و سلم
قال ابن إسحاق : وحدثني بعض آل أم
كلثوم بنت أبي بكر ، أنها قالت : لقد رجع أبو بكر
يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه ، مما جبذوه بلحيته وكان كثير
الشعر .
أشد
ما أوذي به رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال ابن هشام : حدثني بعض أهل العلم
: أشد ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش
أنه خرج يوما فلم يلقه أحد من الناس إلا كذبه وآذاه ، لا
حر ولا عبد ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
منـزله ، فتدثر من شدة ما أصابه ، فأنزل الله تعالى عليه
: (
يا أيها المدثر ، قم فأنذر ) .
|