|
ذكر ما جرى من اختلاف قريش بعد
قصي ، وحلف المطيبين
النزاع
بين بني عبدالدار وبني أعمامهم
قال ابن إسحاق : ثم إن قصي بن كلاب هلك ،
فأقام أمره في قومه وفي غيرهم بنوه من بعده ، فاختطوا مكة رباعا -
بعد الذي كان قطع لقومه بها - فكانوا يقطعونها في قومهم وفي غيرهم
من حلفائهم ويبيعونها ؛ فأقامت على ذلك قريش معهم ليس بينهم اختلاف
ولا تنازع ، ثم إن بني عبد مناف بن قصي عبد شمس وهاشما والمطلب
ونوفلا أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبدالدار بن قصي مما كان
قصي جعل إلى عبدالدار ، من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة ،
ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم ؛ فتفرقت
عند ذلك قريش ، فكانت طائفة مع بني عبد مناف على رأيهم يرون أنهم
حق به من بني عبدالدار لمكانهم في قومهم ، وكانت طائفة مع بني
عبدالدار ، يرون أن لا ينزع منهم ما كان قصي جعل إليهم .
من
ناصروا بني عبدالدار ، و من ناصروا بني أعمامهم
فكان صاحب أمر بني عبد مناف عبد شمس بن عبد مناف
، وذلك أنه كان أسن بني عبد مناف ، وكان صاحب أمر بني عبدالدار
عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار .
حلفاء
بني عبدالدار وحلفاء بني أعمامهم
فكان بنو أسد بن عبدالعزى بن قصي ، وبنو زهرة بن
كلاب ، وبنو تيم بن مرة بن كعب ، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن
النضر ، مع بني عبد مناف .
وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة ، وبنو سهم بن
عمرو بن هصيص بن كعب ، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب ، وبنو عدي
بن كعب ، مع بني عبدالدار ، وخرجت عامر بن لؤي ومحارب بن فهر ، فلم
يكونوا مع واحد من الفريقين .
فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا
يتخاذلوا ، ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة .
من
دخلوا في حلف المطيبين
فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا .
فيزعمون أن بعض نساء بني عبد مناف ، أخرجتها لهم ، فوضعوها
لأحلافهم في المسجد عند الكعبة ، ثم غمس القوم أيديهم فيها ،
فتعاقدوا وتعهدوا هم وحلفاؤهم ، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا
على أنفسهم ، فسموا المطيبين .
من
دخلوا في حلف الأحلاف
وتعاقد بنو عبدالدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند
الكعبة حلفا مؤكدا ، على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ،
فسموا الأحلاف .
تقسيم
القبائل في هذه الحرب
ثم سوند بين القبائل ، ولُزّ بعضها ببعض ؛ فعبيت
بنو عبد مناف لبني سهم ، وعبِّيت بنو أسد لبني عبدالدار ، وعبيت
زهرة لبني جمح ، وعبيت بنو تيم لبني مخزوم ، وعبيت بنو الحارث بن
فهر لبني عدي بن كعب . ثم قالوا : لتُفن كل قبيلة من
أُسند إليها .
تصالح
القبائل
فبينا الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب إذ تداعوا
إلى الصلح ، على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة ، وأن
تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبدالدار كما كانت .
ففعلوا ورضي كل واحد من الفريقين بذلك ، وتحاجز الناس عن الحرب ،
وثبت كل قوم مع من حالفوا ، فلم يزالوا على ذلك ، حتى جاء الله
تعالى بالإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة
) .
حلف
الفضول
سبب
تسميته كذلك
قال ابن هشام : وأما حلف الفضول فحدثني
زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحاق قال : تداعت قبائل
من قريش إلى حلف ، فاجتمعوا له في دار عبدالله بن جدعان بن عمرو بن
كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ، لشرفه وسنه ، فكان
حلفهم عنده : بنو هاشم ، وبنو المطلب ، وأسد بن عبدالعزى ،
وزهرة بن كلاب ، وتيم بن مرة .
فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما
من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه ، وكانوا
على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول
.
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول
قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن زيد بن
المهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبدالله بن عوف الزهري
يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد شهدت
في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو
أدعى به في الإسلام لأجبت .
الحسين يهدد الوليد بالدعوة إلى إحياء الحلف
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن عبدالله بن
أسامة بن الهادي الليثي أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه
:
أنه كان بين الحسين بن على بن أبي طالب رضي الله
عنهما ، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - والوليد يومئذ أمير
على المدينة أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه -
منازعة في مال كان بينهما بذي المروة . فكان الوليد تحامل
على الحسين رضي الله عنه في حقه لسلطانه ، فقال له الحسين :
أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ، ثم لأقومن في مسجد رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لأدعون بحلف الفضول .
قال : فقال عبدالله بن الزبير ، وهو عند
الوليد حين قال الحسين رضي الله عنه ما قال : وأنا أحلف
بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو
نموت جميعا .
قال : فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل
الزهري ، فقال مثل ذلك وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيد الله
التيمي فقال مثل ذلك . فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف
الحسين من حقه حتى رضي .
سأل عبدالملك محمد بن جبير عن عبد شمس و بني نوفل
و دخولهما في حلف الفضول ، فأخبره بخروج بني عبد شمس وبني نوفل من
الحلف
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن عبدالله بن
أسامة بن الهادي الليثي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال
:
قدم محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد
مناف - وكان محمد بن جبير أعلم قريش - فدخل على عبدالملك بن مروان
بن الحكم حين قتل ابن الزبير ، واجتمع الناس على عبدالملك ، فلما
دخل عليه قال له : يا أبا سعيد ، ألم نكن نحن وأنتم ، يعني
بني عبد شمس بن عبد مناف ، وبني نوفل بن عبد مناف في حلف الفضول
؟ قال : أنت أعلم ؛ قال عبدالملك : لتخبرني يا
أبا سعيد بالحق من ذلك ؛ فقال : لا والله ، لقد خرجنا نحن
وأنتم منه ! قال : صدقت .
تم خبر حلف الفضول
هاشم
يتولى الرفادة والسقاية و ما كان يصنع إذا قدم الحاج
قال ابن إسحاق : فولى الرفادة والسقاية
هاشم بن عبد مناف ، وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفارا قلما يقيم بمكة
، وكان مقلا ذا ولد ، وكان هاشم موسرا فكان - فيما يزعمون - إذا
حضر الحاج قام في قريش فقال : ( يا معشر قريش ، إنكم
جيران الله وأهل بيته ، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله وحجاج
بيته ، وهم ضيف الله ، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه ، فاجمعوا لهم ما
تصنعون لهم به طعاما أيامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة بها ،
فإنه والله لو كان مالي يسع لذلك ما كلفتكموه ) .
فيخرجون لذلك خرجا من أموالهم ، كل امرئ يقدر ما عنده ، فيصنع به
للحجاج طعاما حتى يصدروا منها .
أفضال
هاشم على قومه
وكان هاشم فيما يزعمون أول من سن الرحلتين لقريش
: رحلتي الشتاء والصيف . وأول من أطعم الثريد للحجاج
بمكة ، وإنما كان اسمه عمرا ؛ فما سمي هاشما إلا بهشمه الخبز بمكة
لقومه .
فقال شاعر من قريش أو من بعض العرب :
عمرو الذي هشم الثريد لقومه * قوم بمكة مسنتين
عجافِ
سُنت إليه الرحلتان كلاهما * سفر الشتاء ورحلة
الإيلاف
قال ابن هشام : أنشدني بعض أهل العلم
بالشعر من أهل الحجاز :
قوم بمكة مسنتين عجاف *
المطلب
يلي الرفادة والسقاية
قال ابن إسحاق : ثم هلك هاشم بن عبد مناف
بغزة من أرض الشام تاجرا ، فولي السقاية والرفادة من بعده المطلب
بن عبد مناف ، وكان أصغر من عبد شمس وهاشم ، وكان ذا شرف في قومه
وفضل ، وكانت قريش إنما تسميه الفيض لسماحته وفضله .
زواج
هاشم بن عبد مناف
وكان هاشم بن عبد مناف قدم المدينة فتزوج سلمى
بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار ، وكانت قبله عند أحيحه بن الجلاح
بن الحريش .
قال ابن هشام : ويقال : الحريس - ابن
جَحْجبى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس .
فولدت له عمرو بن أحيحة ، وكانت لا تنكح الرجال
لشرفها في قومها حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها ، إذا كرهت رجلا
فارقته .
ميلاد
عبدالمطلب و سبب تسميته باسمه
فولدت لهاشم عبدالمطلب ، فسمته شيبة .
فتركه هاشم عندها حتى كان وصيفا أو فوق ذلك ، ثم خرج إليه عمه
المطلب ليقبضه فيلحقه ببلده وقومه ؛ فقالت له سلمى : لست
بمرسلته معك ؛ فقال لها المطلب : إني غير منصرف حتى أخرج به
معي ، إن ابن أخي قد بلغ ، وهو غريب في غير قومه ، ونحن أهل بيت
شرف في قومنا ، نلي كثير من أمورهم ، وقومه وبلده وعشيرته خير له
من الإقامة في غيرهم ، أو كما قال .
وقال شيبة لعمه المطلب - فيما يزعمون - :
لست بمفارقها إلا أن تأذن لي ، فأذنت له ، ودفعته إليه ؛ فاحتمله
فدخل به مكة مردفه معه على بعيره ، فقالت قريش : عبدالمطلب
ابتاعه ، فبها سمي شيبة عبدالمطلب . فقال المطلب :
ويحكم ! إنما هو ابن أخي هاشم ، قدمت به من المدينة .
وفاة
المطلب و مما قيل فيه من الشعر
ثم هلك المطلب بردمان من أرض اليمن ، فقال رجل من
العرب يبكيه :
قد ظمئ الحجيج بعد المطلبْ * بعد الجفان والشراب
المنثغب
ليت قريشا بعده على نصب *
مطرود يبكي المطلب وبني عبد مناف
وقال مطرود بن كعب الخزاعي ، يبكي المطلب وبني
عبد مناف جميعا حين أتاه نعى نوفل بن عبد مناف ، وكان نوفل آخرهم
هُلكا :
يا ليلة هيجت ليلاتي * إحدى ليالي القسيات
وما أقاسي من هموم وما * عالجت من رزء المنيات
إذا تذكرت أخي نوفلا * ذكَّرني بالأوليات
ذكرني بالأُزُر الحمر والْ أردية * الصفر
القشيبات
أربعة كلهمُ سيد * أبناء سادات لسادات
ميْت بردمان وميت بسلمان * وميت عند غزات
وميت أسكن لحدا لدى الْ محجوب * شرقي البنيات
أخلصهم عبد مناف فهم * من لوم من لام بمنجاة
إن المغيرات وأبناءها * من خير أحياء وأموت
اسم
عبد مناف وترتيب أولاده موتا
وكان اسم عبد مناف المغيرة ، وكان أول بني عبد
مناف هلكا هاشم ، بغزة من أرض الشام ، ثم عبد شمس بمكة ؛ ثم المطلب
بردمان من أرض اليمن ثم نوفلا بسلمان من ناحية العراق .
شعر آخر لمطرود
فقيل لمطرود - فيما يزعمون - : لقد قلت
فأحسنت ،ولو كان أفحل مما قلت كان أحسن ؛ فقال : أنظروني
ليالي ، فمكث أياما ، ثم قال :
يا عين جودي وأذري الدمع وانهمري وابكي على السر
من كعب المغيرات
يا عين واسحنفري بالدمع واحتفلي * وابكي خبيئة
نفسي في الملمات
وابكي على كل فياض أخي ثقة * ضخم الدسيعة وهاب
الجزيلات
محض الضريبة عالي الهم مختلق * جلد النجيزة ناء
بالعظيمات
صعب البديهة لا نكس ولا وكل * ماضي العزيمة متلاف
الكريمات
صقر توسط من كعب إذا نسبوا * بحبوحة المجد والشم
الرفيعات
ثم اندبي الفيض والفياض مطلبا * واستخرطي بعد
فيضات بجمات
أمسى بردمان عنا اليوم مغتربا * يا لهف نفسي عليه
بين أموات
وابكي لك الويل ، إما كنت باكية * لعبد شمس بشرقي
البنيات
وهاشم في ضريح وسط بلقعة * تسفي الرياح عليه بين
غزات
ونوفل كان دون القوم خالصتي * أمسى بسلمان في رمس
بموماة
لم ألق مثلهم عجما ولا عربا * إذا استقلت بهم أدم
المطيات
أمست ديارهم منهم معطلة * وقد يكونون زينا في
السريات
أفناهم الدهر أم كلت سيوفهم * أم كل من عاش أزواد
المنيات
أصبحت أرضى من الأقوام بعدهم * بسط الوجوه وإلقاء
التحيات
يا عين فابكي أبا الشعث الشجيات * يبكينه حسرا
مثل البليات
يبكين أكرم من يمشي على قدم * يعولنه بدموع بعد
عبرات
يبكين شخصا طويل الباع ذا فجر * آبي الهضيمة فراج
الجليلات
يبكين عمرو العلا إذ حان مصرعه * سمح السجية بسام
العشيات
يبكينه مستكينات على حزن * يا طول ذلك من حزن
وعولات
يبكين لما جلاهن الزمان له * خضر الخدود كأمثال
الحميات
محتزمات على أوساطهن لما * جر الزمان من أحداث
المصيبات
أبيت ليلي أراعي النجم من ألم * أبكي وتبكي معي
شجوي بنياتي
ما في القروم لهم عدل ولا خطر * ولا لمن تركوا
شروى بقبات
أبناؤهم خير أبناء وأنفسهم * خير النفوس لدى جهد
الأليات
كم وهبوا من طمر سابح أرن * ومن طمرة نهب في
طمرات
ومن سيوف من الهندي مخلصة * ومن رماح كأشطان
الركيات
ومن توابع مما يفضلون بها * عند المسائل من بذل
العطيات
فلو حسبت وأحصى الحاسبون معي * لم أقض أفعالهم
تلك الهنيات
هم المدلون إما معشر فخروا * عند الفخار بأنساب
نقيات
زين البيوت التي خلوا مساكنها * فأصبحت منهم وحشا
خليات
أقول والعين لا ترقا مدامعها * لا يبعد الله
أصحاب الرزيات
قال ابن هشام : الفجر : العطاء
. قال أبو خراش الهذلي :
عجَّف أضيافي جميل بن معمر * بذي فجر تأوي إليه
الأرامل
قال ابن إسحاق : أبو الشعث الشجيات :
هاشم بن عبد مناف .
عبدالمطلب
يلي السقاة والرفادة
قال : ثم ولي عبدالمطلب بن هاشم السقاية
والرفادة بعد عمه المطلب ، فأقامها للناس ، وأقام لقومه ما كان
آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم ، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه
أحد من آبائه ، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم .
ذكر
حفر زمزم وما جرى من الخلف فيها
سبب
حفر زمزم
ثم إن عبدالمطلب بينما هو نائم في الحجر إذ أتي
فأمر بحفر زمزم .
قال ابن إسحاق : وكان أول ما ابتدىء به
عبدالمطلب من حفرها ، كما حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن مرثد
بن عبدالله اليزني عن عبدالله بن زرير الغافقي : أنه سمع علي
بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبدالمطلب
بحفرها ، قال :
قال عبدالمطلب : إني لنائم في الحجر إذ
أتاني آت فقال : احفر طيبة ، قال :قلت : وما
طيبة ؟ قال : ثم ذهب عني . فلما كان الغد رجعت
إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال : احفر برة . قال
:فقلت : وما برة ؟ قال : ثم ذهب عني ،
فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال : احفر
المضنونة . فقال : فقلت : وما المضنونة ؟
قال : ثم ذهب عني .
فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني
فقال : احفر زمزم . قال : قلت : وما زمزم
؟ قال : لا تنزف أبدا ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم ،
وهي بين الفرث والدم ، عند نقرة الغراب الأعصم ، عند قرية النمل
.
قريش
تنازع عبدالمطلب في زمزم
قال ابن إسحاق : فلما بين له شأنها ، ودل
على موضعها ، وعرف أنه قد صدق ، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن
عبدالمطلب ، ليس له يومئذ ولد غيره ، فحفر فيها . فلما بدا
لعبدالمطلب الطي كبر .
التحاكم
في بئر زمزم
فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته ، فقاموا إليه
فقالوا : يا عبدالمطلب ، إنها بئر أبينا إسماعيل ، وإن لنا
فيها حقا فأشركنا معك فيها ؛ قال : ما أنا بفاعل ، إن هذا
الأمر قد خصصت به دونكم ، وأعطيته من بينكم ؛ فقالوا له :
فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها ؛قال : فاجعلوا
بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه ؛ قالوا : كاهنة بني سعد
بن هذيم ؛ قال : نعم ؛ قال : وكانت بأشراف الشام
.
فركب عبدالمطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد
مناف ، وركب من كل قبيلة من قريش نفر . قال : والأرض
إذ ذاك مفاوز . قال : فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك
المفاوز بين الحجاز والشام ، فني ماء عبدالمطلب وأصحابه ، فظمئوا
حتى أيقنوا بالهلكة ، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش ، فأبوا
عليهم ، وقالوا : إنا بمفازة ، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما
أصابكم .
فلما رأى عبدالمطلب ما صنع القوم وما يتخوف على
نفسه وأصحابه ، قال : ماذا ترون ؟ قالوا : ما
رأينا إلا تبع لرأيك ، فمرنا بما شئت ؛ قال : فإني أرى أن
يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة ، فكلما مات
رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه ، حتى يكون آخركم رجلا واحدا ،
فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا ؛ قالوا : نعم ما
أمرت به .
فقام كل واحد منهم فحفر حفرته ، ثم قعدوا ينتظرون
الموت عطشا ؛ ثم إن عبدالمطلب قال لأصحابه : والله إن
إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت ، لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا
، لعجز ، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ، ارتحلوا ،
فارتحلوا . حتى إذا فرغوا ، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون
إليهم ما هم فاعلون ، تقدم عبدالمطلب إلى راحلته فركبها .
فلما انبعثت به ، انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب
، فكبر عبدالمطلب وكبر أصحابه ، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا
حتى ملئوا أسقيتهم ، ثم دعا القبائل من قريش ، فقال : هلم
إلى الماء ، فقد سقانا الله ، فاشربوا واستقوا . ثم قالوا
: قد والله قضى لك علينا يا عبدالمطلب ، والله لا نخاصمك في
زمزم أبدا ، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك
زمزم ، فارجع إلى سقايتك راشدا . فرجع ورجعوا معه ، ولم
يصلوا إلى الكاهنة ، وخلوا بينه وبينها .
قال ابن إسحاق : فهذا الذي بلغني من حديث
على بن أبي طالب رضي الله عنه في زمزم ، وقد سمعت من يحدث عن
عبدالمطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم :
ثم ادع بالماء الروي غير الكدر * يسقي حجيج الله
في كل مبرْ
ليس يخاف منه شيء ما عمر *
فخرج عبدالمطلب ، حين قيل له ذلك ، إلى قريش ،
فقال : تعلموا أني قد أمرت أن أحفر لكم زمزم ؛ فقالوا
: فهل بين بي لك أين هي ؟ قال : لا ؛ قالوا
: فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت ، فإن يك حقا من
الله يبين لك ، وإن يكن من الشيطان فلن يعود إليك . فرجع
عبدالمطلب إلى مضجعه فنام فيه ، فأتي فقيل له : احفر زمزم ،
إنك إن حفرتها لم تندم ، وهي تراث من أبيك الأعظم ، لا تنزف أبدا
ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم ، مثل نعام حافل لم يقسم ، ينذر فيها
ناذر لمنعم ، تكون ميراثا وعقدا محكم ، ليست كبعض ما قد تعلم ، وهي
بين الفرث والدم .
قال ابن هشام : هذا الكلام والكلام الذي
قبله ، من حديث علي - رضوان الله عليه - في حفر زمزم من قوله
: ( لا تنزف أبدا ولا تذم ) إلى قوله :
( عند قرية النمل ) عندنا سجع وليس شعرا .
قال ابن إسحاق : فزعموا أنه حين قيل له ذلك
، قال : وأين هي ؟ قيل له : عند قرية النمل ،
حيث ينقر الغراب غدا . والله أعلم أي ذلك كان .
عبدالمطلب
يحفر زمزم
فغدا عبدالمطلب ومعه ابنه الحارث ، وليس له يومئذ
ولد غيره ، فوجد قرية النمل ، ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين
: إساف ونائلة ، اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها
. فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر ، فقامت إليه قريش حين
رأوا جده ، فقالوا : والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين
اللذين ننحر عندهما ؛ فقال عبدالمطلب لابنه الحارث : ذد عني
حتى أحفر ، فوالله لأمضين لما أمرت به .
فلما عرفوا أنه غير نازع ، خلوا بينه وبين الحفر
، وكفوا عنه ، فلم يحفر إلا يسيرا ، حتى بدا له الطي ، فكبر وعرفوا
أنه قد صدق . فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب ،
وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة ، ووجد فيها
أسيافا قلعية وأدراعا ؛ فقالت له قريش : يا عبدالمطلب ، لنا
معك في هذا شرك وحق ؛ قال : لا ، ولكن هلم إلى أمر نصف بيني
وبينكم : نضرب عليها بالقداح ؛ قالوا : وكيف تصنع
؟ قال : أجعل للكعبة قدحين ، ولي قدحين ، ولكم قدحين ،
فمن خرج له قدحاه على شيء كان له ، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له ؛
قالوا : أنصفت .
فجعل قدحين أصفرين للكعبة ، وقدحين أسودين
لعبدالمطلب ، وقدحين أبيضين لقريش ؛ ثم أعطوا القداح صاحب القداح
الذي يضرب بها عند هبل ( وهبل : صنم في جوف الكعبة ،
وهو أعظم أصنامهم ، وهو الذي يعني أبو سفيان بن حرب يوم أحد حين
قال : أعل هبل : أي أظهر دينك ) وقام عبدالمطلب
يدعو الله عز وجل ، فضرب صاحب القداح القداح ، فخرج الأصفران على
الغزالين للكعبة ، وخرج الأسودان على الأسياف ، والأدراع
لعبدالمطلب ، وتخلف قدحا قريش .
فضرب عبدالمطلب الأسياف بابا للكعبة ، وضرب في
الباب الغزالين من ذهب . فكان أول ذهب حليته الكعبة ، فيما
يزعمون . ثم إن عبدالمطلب أقام سقاية زمزم للحجاج .
|