قال ابن إسحاق : ثم أسلم أبو بكر بن
أبي قحافة ، واسمه عتيق ، واسم أبي قحافة : عثمان بن
عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي
بن غالب بن فهر .
اسمه ولقبه
قال ابن هشام : واسم أبي بكر :
عبدالله ، وعتيق : لقب لحسن وجهه وعتقه .
إسلامه
قال ابن إسحاق : فلما أسلم أبو بكر
رضي الله عنه : أظهر إسلامه ، ودعا إلى الله وإلى
رسوله .
إيلاف قريش له ودعوته للإسلام
وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه ، محببا
سهلا ، وكان أنسب قريش لقريش ، وأعلم قريش بها ، وبما كان
فيها من خير وشر ؛ وكان رجلا تاجرا ، ذا خلق ومعروف ، وكان
رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر ، لعلمه
وتجارته وحسن مجالسته ، فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام
من وثق به من قومه ، ممن يغشاه ويجلس إليه .
ذكر
من أسلم من الصحابة بدعوة أبي بكر رضي الله عنه
إسلام عثمان ، و الزبير و عبدالرحمن و
سعد و طلحة
قال فأسلم بدعائه - فيما بلغني - عثمان
بن عفان بن أبي العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف بن
قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب .
والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن
عبدالعزى بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي .
وعبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن
الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي .
وسعد بن أبي وقاص ، واسم أبي وقاص :
مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن مرة بن كلاب بن مرة
بن كعب بن لؤي .
وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن
كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ، فجاء بهم إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا
وصلوا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، فيما
بلغني : ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده
كبوة ، ونظر وتردد ، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة ،
ما عكم عنه حين ذكرته له ، وما تردد فيه .
قال ابن هشام : قوله : (
بدعائه ) عن غير ابن إسحاق .
قال ابن هشام : قوله : عكم :
تلبث . قال رؤبة بن العجاج :
وانصاع وثَّاب بها وما عكم
قال ابن إسحاق : فكان هؤلاء النفر
الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام ، فصلوا وصدقوا رسول
الله صلى الله عليه وسلم بما جاءه من الله .
إسلام أبي عبيدة
ثم أسلم أبو عبيدة بن الجراح ، واسمه
عامر بن عبدالله بن الجراح بن هلال ابن أهيب بن ضبة بن
الحارث بن فهر .
إسلام أبي سلمة
وأبو سلمة ، واسمه عبدالله بن عبدالأسد
بن هلال بن عبدالله بن عمر ابن مخزوم بن يقظة بن مرة بن
كعب بن لؤي .
إسلام الأرقم
والأرقم بن أبي الأرقم . واسم أبي
الأرقم عبد مناف بن أسد - وكان أسد يكنى أبا جندب - بن
عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة بن كعب بن لؤي
.
إسلام عثمان بن مظعون وأخويه
وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة
بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي . وأخواه قدامة
وعبدالله ابنا مظعون بن حبيب .
إسلام عبيدة بن الحارث
وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف
بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي .
إسلام سعيد بن زيد وامرأته
وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن
عبدالعزى بن عبدالله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب
بن لؤي ؛ وامرأته فاطمة بنت الخطاب ابن نفيل بن عبدالعزى
بن عبدالله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي ابن كعب بن لؤي
، أخت عمر بن الخطاب .
إسلام أسماء وعائشة ابنتي أبي بكر ،
وخباب بن الأرت
وأسماء بنت أبي بكر . وعائشة بنت أبي
بكر ، وهي يومئذ صغيرة . وخباب بن الأرت ، حليف بني
زهرة .
قال ابن هشام : خباب بن الأرت من بني
تميم ، ويقال : هو من خزاعة .
إسلام عمير وابن مسعود وابن القاري
قال ابن إسحاق : وعمير بن أبي وقاص ،
أخو سعد بن أبي وقاص . وعبدالله بن مسعود بن الحارث بن
شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث ابن تميم بن سعد
بن هذيل . ومسعود بن القاري ، وهو مسعود ابن ربيعة بن
عمرو بن سعد بن عبدالعزى بن حمالة بن غالب بن محلم بن
عائذة بن سبيع بن الهون بن خزيمة من القارة .
شئ عن القارة
قال ابن هشام : والقارة : لقب
لهم ولهم يقال :
قد أنصف القارة من راماها *
وكانوا قوما رماة .
إسلام سليط وأخيه ، وعياش وامرأته ،
وخنيس ، وعامر
قال ابن إسحاق : وسليط بن عمرو بن
عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي
بن غالب بن فهر ؛ وأخوه حاطب بن عمرو . وعياش بن أبي
ربيعة بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن
مرة بن كعب بن لؤي ؛ وامرأته أسماء بنت سلامة بن مخربة
التميمية . وخنيس بن حذافة بن عدي بن سعد بن سهم بن
عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي . وعامر بن ربيعة ، من
عنـز بن وائل ، حليف آل الخطاب بن نفيل بن عبدالعزى .
قال ابن هشام : عنـز بن وائل أخو بكر
بن وائل ، من ربيعة بن نزار .
إسلام ابني جحش ، وجعفر وامرأته ، وحاطب
وإخوته ونسائهم ، والسائب ، والمطلب وامرأته
قال ابن إسحاق : وعبدالله ابن جحش بن
رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن
أسد بن خزيمة . وأخوه أبو أحمد بن جحش ، حليفا بني
أمية بن عبد شمس .
وجعفر بن أبي طالب ؛ وامرأته أسماء بنت
عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة ، من خثعم ،
وحاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح
بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ؛ وامرأته فاطمة بنت المجلل
بن عبدالله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن
عامر بن لؤي بن غالب بن فهر ، وأخوه حطاب بن الحارث ؛
وامرأته فكيهة بنت يسار .
ومعمر بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب
بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي .
والسائب بن عثمان بن مظعون بن حبيب بن
وهب .
والمطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن
الحارث بن زهرة بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي ، وامرأته
: رملة بنت أبي عوف بن صبيرة بن سُعيد بن سعد بن سهم
بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي .
إسلام نعيم والنحام
و النحام ، واسمه نُعيم بن عبدالله بن
أسيد ، أخو بني عدي بن كعب بن لؤي .
نسب نعيم
قال ابن هشام : هو نعيم بن عبدالله
بن أسيد بن عبد عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي
، وإنما سمي النحام ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
قال : لقد سمعت نحْمه في الجنة .
قال ابن هشام : نحمه : صوته
. و نحمه : حسه .
إسلام عامر بن فهيرة
قال ابن إسحاق : وعامر بن فهيرة ،
مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
نسبه
قال ابن هشام : عامر بن فُهيرة
مولَّد من مولدي الأسد ، أسود اشتراه أبو بكر رضي الله عنه
منهم .
إسلام خالد بن سعيد ونسبه وإسلام امرأته
أمينة
قال ابن إسحاق : وخالد بن سعيد بن
العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن مرة بن
كعب بن لؤي ؛ وامرأته أُمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن
بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو ، من خزاعة
.
قال ابن هشام : ويقال : همُينة
بنت خلف .
إسلام حاطب وأبي حذيفة
قال ابن إسحاق : وحاطب بن عمرو بن
عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي
بن غالب بن فهر .
وأبو حذيفة ، واسمه مهشم - فيما قال ابن
هشام - بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن
كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي .
إسلام واقد وشيء من خبره
وواقد بن عبدالله بن عبد مناف بن عرين بن
ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ،
حليف بني عدي بن كعب .
قال ابن هشام : جاءت به باهلة ،
فباعوه من الخطاب بن نفيل ، فتبناه ، فلما أنزل الله تعالى
: (
ادعوهم لآبائهم ) قال : أنا واقد بن
عبدالله ، فيما قال أبو عمرو المدني .
إسلام بني البكير
قال ابن إسحاق : وخالد وعامر وعاقل
وإياس بنو البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن
ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة حلفاء بني عدي بن كعب
.
إسلام عمار بن ياسر حليف بني مخزوم بن
يقظة
و عمار بن ياسر ، حليف بني مخزوم بن يقظة
.
قال ابن هشام : عمار بن ياسر عنسي من
مذحج .
إسلام صهيب
قال ابن إسحاق : و صهيب بن سنان ،
أحد النمر بن قاسط ، حليف بني تميم بن مرة .
نسب صهيب
قال ابن هشام : النمر بن قاسط بن هنب
بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ، ويقال :
أفصى بن دُعْميّ بن جديلة بن أسد ؛ ويقال : صهيب :
مولى عبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ،
ويقال : إنه رومي .
فقال بعض من ذكر أنه من النمر بن قاسط ،
إنما كان أسيرا في أرض الروم ، فاشتُري منهم . وجاء في
الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم : صهيب سابق
الروم .
مباداة
رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ، وما كان منهم
أمر
الله له صلى الله عليه وسلم بمباداة قومه
قال ابن إسحاق : ثم دخل الناس في
الإسلام أرسالا من الرجال والنساء ، حتى فشا ذكر الإسلام
بمكة ، وتحدث به . ثم إن الله عز وجل أمر رسوله صلى
الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه ، وأن يبادي الناس
بأمره ، وأن يدعو إليه ؛ وكان بين ما أخفى رسول الله صلى
الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى
بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه ؛ ثم قال
الله تعالى له : (
فاصدع بما تؤمر ، وأعرض عن المشركين )
. وقال تعالى : (
وأنذر عشيرتك الأقربين . واخفض جناحك لمن اتبعك من
المؤمنين ) .
معنى
اصدع بما تؤمر
قال ابن هشام : اصدع : افرق بين
الحق والباطل .
قال أبو ذؤيب الهذلي ، واسمه خويلد بن
خالد ، يصف أُتن وحش وفحلها :
وكأنهن ربابة وكأنه * يَسَر يُفيض على
القداح ويصدعُ
أي يفرق على القداح ويبين أنصباءها .
وهذا البيت في قصيدة له .
وقال رؤبة بن العجاج :
أنت الحليم والأمير المنتقم * تصدع بالحق
وتنفي من ظلمْ
وهذان البيتان في أرجوزة له .
خروج الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه
للصلاة في الشعب
قال ابن إسحاق : وكان أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ، ذهبوا في الشعاب ،
فاستخفوا بصلاتهم من قومهم ، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة
، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون ، فناكروهم ،
وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد بن أبي
وقاص يومئذ رجلا من المشركين بِلَحْي بعير ، فشجه ، فكان
أول دم هُريق في الإسلام .
عداوة
قومه له صلى الله عليه و سلم ، ومساندة أبي طالب له
قال ابن إسحاق : فلما بادى رسول الله
صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله ،
لم يبعد منه قومه ، ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر
آلهتهم وعابها ؛ فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه ، وأجمعوا
خلافه وعداوته ، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام ،
وهم قليل مستخفون ، وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عمُّه أبو طالب ، ومنعه وقام دونه ، ومضى رسول الله صلى
الله عليه وسلم على أمر الله ، مظهرا لأمره ، لا يرده عنه
شيء .
فلما رأت قريش ، أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه ، من فراقهم وعيب
آلهتهم ، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه ، وقام دونه ،
فلم يسلمه لهم ، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ،
عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن
كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب . وأبو سفيان بن
حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة
بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر .
قال ابن هشام : واسم أبي سفيان :
صخر .
قال ابن إسحاق : وأبو البختري ، و
اسمه العاص بن هشام بن الحارث ابن أسد بن عبدالعزى بن قصي
بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي .
قال ابن هشام : أبو البختري :
العاص بن هاشم .
قال ابن إسحاق : والأسود بن المطلب
بن أسد بن عبدالعزى بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي
. وأبو جهل - واسمه عمرو ، وكان يكنى أبا الحكم - بن
هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن
مرة بن كعب بن لؤي . والوليد بن المغيرة بن عبدالله
ابن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي . و
نُبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم
بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي . والعاص بن وائل .
قال ابن هشام : العاص بن وائل بن
هاشم بن سُعيد بن سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي
.
وفد
قريش يعاتب أبا طالب في شأن الرسول الله صلى الله عليه و
سلم
قال ابن إسحاق : أو من مشى منهم
. فقالوا : يا أبا طالب ، إن ابن أخيك قد سب
آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ؛ فإما
أن تكفه عنا ، وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما
نحن عليه من خلافه ، فنكفيكه ؛ فقال لهم أبو طالب قولا
رفيقا ، وردهم ردا جميلا ، فانصرفوا عنه .
الرسول
صلى الله عليه وسلم يستمر في دعوته
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على
هو عليه ، يظهر دين الله ، ويدعو إليه ، ثم شرى الأمر بينه
وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا ، وأكثرت قريش ذكر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بينها ، فتذامروا فيه ، وحض بعضهم
بعضا عليه .
رجوع الوفد إلى أبي طالب مرة ثانية
ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى ،
فقالوا له : يا أبا طالب ، إن لك سنا وشرفا ومنـزلة
فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا
والله لا نصبر على هذا من شتم آباءنا ، وتسفيه أحلامنا ،
وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك ،
حتى يهلك أحد الفريقين ، أوكما قالوا له . ثم انصرفوا
عنه ، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطب
نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه
.
ما دار بين الرسول صلى الله عليه وسلم
وأبي طالب
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن
عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدث : أن قريشا حين
قالوا لأبي طالب هذه المقالة ، بعث إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فقال له : يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني
، فقالوا لي كذا وكذا ، للذي كانوا قالوا له ، فأبقِ علي
وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ؛ قال :
فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه
بداء أنه خاذله ومسلمه ، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه
.
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، و
القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو
أهلك فيه ، ما تركته . قال : ثم استعبر رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فبكى ثم قام ؛ فلما ولى ناداه أبو
طالب ، فقال : أقبل يا ابن أخي ؛ قال : فأقبل عليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : اذهب يا بن أخي
، فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا .
قريش
تعرض عمارة بن الوليد المخزومي على أبي طالب
قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا حين
عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه
وسلم وإسلامه ، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم ، مشوا
إليه بعُمارة بن الوليد بن المغيرة ، فقالوا له - فيما
بلغني - : يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد ، أنهد
فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره ، واتخذه ولدا
فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا ، الذي قد خالف دينك
ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك ، وسفه أحلامهم ، فنقتله ،
فإنما هو رجل برجل ؛ فقال : والله لبئس ما تسومونني
! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه
! هذا والله ما لا يكون ابدا .
قال : فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن
عبد مناف بن قصي : و الله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك
، وجهدوا على التخلص مما تكرهه ، فما أراك تريد أن تقبل
منهم شيئا ؛ فقال أبو طالب للمطعم : والله ما أنصفوني
، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظارهة القوم علي ، فاصنع ما بدا
لك ، أو كما قال . قال : فحقب الأمر ، وحميت الحرب
، وتنابذ القوم ، وبادى بعضهم بعضا .
شعر أبي طالب في التعريض بالمطعم ومن
خذله من عبد مناف
فقال أبو طالب عند ذلك ، يعرض بالمطعم بن
عدي ، ويُعم من خذله من بني عبد مناف ، ومن عاداه من قبائل
قريش ، ويذكر ما سألوه ، وما تباعد من أمرهم :
ألا قل لعمرو والوليد ومطعم * ألا ليت
حظي من حياطتكم بكْرُ
من الخور حبحاب كثير رُغاؤه * يُرش على
الساقين من بوله قطر
تخلف خلف الوِرْد ليس بلاحق * إذا ما علا
الفيفاء قيل له وبر
أرى أخوينا من أبينا وأمنا * إذا سئلا
قالا إلى غيرنا الأمر
بلى لهما أمر ولكن تجرجما * كما جُرجمت
من رأس ذي علق الصخر
أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا * هما نبذانا
مثل ما يُنبذ الجمر
هما أغمزا للقوم في أخويهما * فقد أصبحا
منهم أكفهما صِفْرُ
هما أشركا في المجد من لا أبا له * من
الناس إلا أن يُرس له ذكر
وتيم ومخزوم وزُهرة منهمُ * وكانوا لنا
مولى إذا بُغي النصر
فوالله لا تنفك منا عداوة * ولا منهمُ ما
كان من نسلنا شفر
فقد سفهت أحلامهم وعقولهم * وكانوا كجفر
بئس ما صنعت جفر
قال ابن هشام : تركنا منها بيتين
أقذع فيهما .
قريش
تظهر عداوتها للمسلمين
قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا تذامروا
بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم الذين أسلموا معه ، فوثبت كل قبيلة على من فيهم
من المسلمين يعذبونهم ، ويفتنونهم عن دينهم ، ومنع الله
رسوله صلى الله عليه وسلم منهم بعمه أبي طالب ، وقد قام
أبو طالب ، حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم
وبني المطلب ، فدعاهم إلى ما هو عليه ، من منع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، والقيام دونه ؛ فاجتمعوا إليه ،
وقاموا معه ، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه ، إلا ما كان من
أبي لهب ، عدو الله الملعون .
شعر أبي طالب في مدح قومه لنصرته
فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في
جهدهم معه ، وحدبهم عليه ، جعل يمدحهم ويذكر قديمهم ،
ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ، ومكانه
منهم ، ليشد لهم رأيهم ، وليحدبوا معه على أمره ، فقال
:
إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف
سرها وصميمها
وإن حُصّلت أشراف عبد منافها * ففي هاشم
أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوما فإن محمدا * هو المصطفى من
سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم
تظفر وطاشت حلومها
وكنا قديما لا نقر ظُلامة إذا * ما ثنوا
صُعْر الخدود نُقيمها
ونحمي حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن
أجحارها من يرومها
بنا انتعش العود الذَّوَاء وإنما *
بأكنافنا تندى وتنمى أرومها