قصة تملك النجاشي على
الحبشة
قتل أبي النجاشي ، وتملك عمه
قال ابن إسحاق : قال الزهري :
فحدثت عروة بن الزبير حديث أبي بكر ابن عبدالرحمن ، عن أم
سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : هل تدري
ما قوله : ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ،
فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناسَ فيّ فأطيع الناس فيه
؟ قال : قلت : لا ؛ قال : فإن عائشة أم
المؤمنين حدثتني أن أباه كان ملك قومه ، ولم يكن له ولد
إلا النجاشي ، وكان للنجاشي عم ، له من صلبه اثنا عشر رجلا
، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة ، فقالت الحبشة بينها :
لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملَّكنا أخاه فإنه لا ولد له
غير هذا الغلام ، وإن لأخيه من صلبه اثني عشر رجلا ،
فتوارثوا ملكه من بعده ، بقيت الحبشة بعده دهرا ؛ فغدوا
على أبي النجاشي فقتلوه ، وملَّكوا أخاه ، فمكثوا على ذلك
حينا .
الحبشة
تبيع النحاشي
ونشأ النجاشي مع عمه ، وكان لبيبا حازما
من الرجال ، فغلب على أمر عمه ، ونزل منه بكل منـزلة ؛
فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها : والله لقد غلب
هذا الفتى على أمر عمه ، وإنا لنتخوف أن يملِّكه علينا ،
وإن ملكه علينا ليقتلنا أجمعين ، لقد عرف أنا نحن قتلنا
أباه .
فمشوا إلى عمه فقالوا : إما أن تقتل
هذا الفتى ، وإما أن تخرجه من بين أظهرنا ، فإنا قد خفناه
على أنفسنا ؛ قال : ويلكم ! قتلت أباه بالأمس ،
وأقتله اليوم ! بل أخرجه من بلادكم .
قالت : فخرجوا به إلى السوق ، فباعوه
من رجل من التجار بست مئة درهم ؛ فقذفه في سفينة فانطلق به
، حتى إذا كان العشي من ذلك اليوم ، هاجت سحابة من سحائب
الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها ، فأصابته صاعقة فقتلته
. قالت : ففزعت الحبشة إلى ولده ، فإذا هو محمَّق
، ليس في ولده خير ، فمرج على الحبشة أمرهم .
تولية
النجاشي الملك برضا الحبشة
فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك ، قال
بعضهم لبعض : تعلموا والله أن ملككم الذي لا يقيم
أمركم غيره للذي بعتم غدوة ، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة
فأدركوه الآن .
قالت : فخرجوا في طلبه ، وطلب الرجل
الذي باعوه منه حتى أدركوه ، فأخذوه منه ؛ ثم جاءوا به ،
فعقدوا عليه التاج ، وأقعدوه على سرير الملك ، فملكوه
.
حديث
التاجر الذي ابتاع النجاشي
فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه ،
فقال : إما أن تعطوني مالي ، وإما أن أكلمه في ذلك
؟ قالوا : لا نعطيك شيئا ، قال : إذن والله
أكلمه ؛ قالوا : فدونك وإياه .
قالت : فجاءه فجلس بين يديه ، فقال
: أيها الملك ، ابتعت غلاما من قوم بالسوق بست مئة
درهم ، فأسلموا إلي غلامي وأخذوا دراهمي ، حتى إذا سرت
بغلامي أدركوني ، فأخذوا غلامي ، ومنعوني دراهمي .
قالت : فقال لهم النجاشي : لتُعطنَّه دراهمه ، أو
ليضعن غلامه يده في يده ، فليذهبن به حيث شاء ؛ قالوا
: بل نعطيه دراهمه . قالت : فلذلك يقول :
ما أخذ الله مني رشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ،
وما أطاع الناس فيّ فأُطيع الناس فيه . قالت :
وكان ذلك أول ما خُبر من صلابته في دينه ، وعدله في حكمه
.
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن
رومان عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : لما مات
النجاشي ، كان يُتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نور .
إسلام
النجاشي والصلاة عليه وخروج الحبشة عليه
قال ابن إسحاق : وحدثني جعفر بن محمد
، عن أبيه ، قال : اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي :
إنك قد فارقت ديننا ، وخرجوا عليه . فأرسل إلى جعفر
وأصحابه ، فهيأ لهم سفنا ، وقال : اركبوا فيها وكونوا
كما أنتم ، فإن هزمتُ فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم ، وإن
ظفرت فاثبتوا .
ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه : هو يشهد
أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ويشهد أن
عيسى بن مريم عبده ورسوله وروحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم
؛ ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن ، وخرج إلى الحبشة ،
وصفُّوا له ، فقال : يا معشر الحبشة ، ألست أحق الناس
بكم ؟ قالوا : بلى ؛ قال : فكيف رأيتم سيرتي
فيكم ؟ قالوا : خير سيرة ؛ قال : فما بالكم
؟ قالوا : فارقت ديننا ، وزعمت أن عيسى عبد ؛ قال
: فما تقولون أنتم في عيسى ؟ قالوا : نقول هو
ابن الله ؛ فقال النجاشي ، ووضع يده على صدره على قبائه
: هو يشهد أن عيسى بن مريم ، لم يزد على هذا شيئا ،
وإنما يعني ما كتب ، فرضوا وانصرفوا عنه . فبلغ ذلك
النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فلما مات النجاشي صلى عليه ،
واستغفر له .
إسلام
عمر بن الخطاب رضي الله عنه
اعتزاز
المسلمين بإسلام عمر
قال ابن إسحاق : ولما قدم عمرو بن
العاص وعبدالله بن أبي ربيعة على قريش ، ولم يدركوا ما
طلبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وردَّهما
النجاشي بما يكرهون ، وأسلم عمر بن الخطاب ، وكان رجلا ذا
شكيمة لا يرام ما وراء ظهره ، امتنع به أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم وبحمزة حتى عازُّوا قريشا ، وكان
عبدالله بن مسعود يقول : ما كنا نقدر على أن نصلي عند
الكعبة ، حتى أسلم عمر بن الخطاب ، فلما أسلم قاتل قريشا
حتى صلى عند الكعبة ، وصلينا معه ،وكان إسلام عمر بعد خروج
من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة
.
قال البكائي ، قال : حدثني مسعر بن
كدام ، عن سعد بن إبراهيم ، قال : قال عبدالله بن
مسعود : إن إسلام عمر كان فتحا ، وإن هجرته كانت نصرا
، وإن إمارته كانت رحمة ، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى
أسلم عمر ، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة ،
وصلينا معه .
حديث
أم عبدالله بنت أبي حثمة عن إسلام عمر
قال ابن إسحاق : حدثني عبدالرحمن بن
الحارث بن عبدالله بن عياش بن أبي ربيعة ، عن عبدالعزيز بن
عبدالله بن عامر بن ربيعة ، عن أمه أم عبدالله بنت أبي
حثمة ، قالت :
و الله إنا لنترحَّل إلى أرض الحبشة ،
وقد ذهب عامر في بعض حاجاتنا ، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى
وقف علي وهو على شركه - قالت : وكنا نلقى منه البلاء
أذى لنا وشدة علينا - قالت : فقال : إنه للانطلاق
يا أم عبدالله .
قالت : فقلت : نعم والله ،
لنخرجن في أرض الله ، آذيتمونا وقهرتمونا ، حتى يجعل الله
مخرجا . قالت : فقال : صحبكم الله ، ورأيت له
رقة لم أكن أراها ، ثم انصرف وقد أحزنه - فيما أرى -
خروجنا .
قالت : فجاء عامر بحاجته تلك ، فقلت
له : يا أبا عبدالله ، لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه
علينا . قال : أطمعتِ في إسلامه ؟ قالت :
قلت : نعم ؛ قال : فلا يسلم الذي رأيتِ حتى يسلم
حمار الخطاب ؛ قالت : يأسا منه ، لما كان يُرى من
غلظته وقسوته عن الإسلام .
سبب
إسلام عمر
قال ابن إسحاق : وكان إسلام عمر فيما
بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب ، وكانت عند سعيد بن زيد
بن عمرو بن نفيل ، وكانت قد أسلمت وأسلم بعلها سعيد بن زيد
، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر ، وكان نُعيم بن عبدالله
النحَّام من مكة ، رجل من قومه ، من بني عدي ابن كعب قد
أسلم ، وكان أيضا يستخفي بإسلامه فرقا من قومه ، وكان خباب
بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يُقرئها القرآن ،
فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه
وسلم ورهطا من أصحابه قد ذُكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت
عند الصفا ، وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء ، ومع
رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبدالمطلب ،
وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق ، وعلي بن أبي طالب ، في
رجال من المسلمين رضي الله عنهم ، ممن كان أقام من رسول
الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض
الحبشة .
فلقيه نعيم بن عبدالله ، فقال له :
أين تريد يا عمر ؟ فقال : أريد محمدا هذا الصابئ ،
الذي فرَّق أمر قريش ، وسفه أحلامها ، وعاب دينها ، وسب
آلهتها ، فأقتله ؛ فقال له نعيم : والله لقد غرتك نفسك
من نفسك يا عمر ، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض
وقد قتلت محمدا ! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم
؟ قال : وأي أهل بيتي ؟ قال : خَتَنُكَ
وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو ، وأختك فاطمة بنت الخطاب ،
فقد والله أسلما ، وتابعا محمدا على دينه ، فعليك بهما
.
قال : فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه
، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة ، فيها : (
طه ) يقرئهما إياها ، فلما سمعوا حس عمر ،
تغيب خباب في مخدع لهم ، أو في بعض البيت ، وأخذت فاطمة
بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها ، وقد سمع عمر حين
دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما ، فلما دخل قال : ما
هذه الهَيْنَمة التي سمعت ؟ قالا له : ما سمعت
شيئا ؛ قال : بلى والله ، لقد أُخبرت أنكما تابعتما
محمدا على دينه ، وبطش بختنه سعيد بن زيد ؛ فقامت إليه
أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها ، فضربها فشجها ؛
فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه : نعم لقد أسلمنا
وآمنا بالله ورسوله ، فاصنع ما بدا لك .
فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على
ما صنع ، فارعوى ، وقال لأخته : أعطيني هذه الصحيفة
التي سمعتكم تقرءون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد ،
وكان عمر كاتبا ؛ فلما قال ذلك ، قالت له أخته : إنا
نخشاك عليها ؛ قال : لا تخافي ، وحلف لها بآلهته
ليردنها إذا قرأها إليها ؛ فلما قال ذلك ، طمعت في إسلامه
، فقالت له : يا أخي ، إنك نجس ، على شركك ، وإنه لا
يمسها إلا الطاهر ، فقام عمر فاغتسل ، فأعطته الصحيفة ،
وفيها : (
طه ) . فقرأها ؛ فلما قرأ منها صدرا ،
قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! فلما سمع ذلك
خباب خرج عليه ، فقال له : يا عمر ، والله إني لأرجو
أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه ، فإني سمعته أمس وهو يقول
: اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام ، أو بعمر بن
الخطاب ، فالله الله يا عمر . فقال له عند ذلك عمر
: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأُسلم ؛ فقال له
خباب : هو في بيت عند الصفا ، معه فيه نفر من أصحابه
، فأخذ عمر سيفه فتوشحه ، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأصحابه ، فضرب عليهم الباب ؛ فلما سمعوا صوته ،
قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظر من
خَلل الباب فرآه متوشحا السيف ، فرجع إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم وهو فزع ، فقال : يا رسول الله ، هذا
عمر بن الخطاب متوشحا السيف ؛ فقال حمزة بن عبدالمطلب
: فأذنْ له ، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له ، وإن
كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه ؛ فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : ائذن له ، فأذن له الرجل ، ونهض إليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة ، فأخذ
حُجْزته ، أو بمجمع ردائه ، ثم جَبَذه به جبذة شديدة ،
وقال : ما جاء بك يا ابن الخطاب ؟ فوالله ما أرى
أن تنتهي حتى ينـزل الله بك قارعة ، فقال عمر : يا
رسول الله ، جئتك لأومن بالله وبرسوله ، وبما جاء من عند
الله ؛ قال : فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن عمر قد أسلم .
فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم من مكانهم ، وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع
إسلام حمزة ، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وينتصفون بهما من عدوهم . فهذا حديث
الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر بن الخطاب حين أسلم
.
ما
رواه عطاء ومجاهد عن إسلام عمر
قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن
أبي نجيح المكي ، عن أصحابه : عطاء ، ومجاهد ، أو عمن
روى ذلك : أن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه ، أنه كان
يقول : كنت للإسلام مباعدا ، وكنت صاحب خمر في
الجاهلية ، أحبها وأسر بها ، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال
من قريش بالحَزْوَرة ، عند دور آل عمر بن عبد بن عمران
المخزومي ، قال : فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في
مجلسهم ذلك ، قال : فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحدا
. قال : فقلت : لو أني جئت فلانا الخمَّار ،
وكان بمكة يبيع الخمر ، لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها
.
قال : فخرجت فجئته فلم أجده .
قال : فقلت : فلو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو
سبعين . قال : فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة ،
فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي ، وكان إذا
صلى استقبل الشام ، وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، وكان
مصلاه بين الركنين : الركن الأسود ، والركن اليماني
. قال : فقلت حين رأيته ، والله لو أني استمعت
لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول ! قال : فقلت :
لئن دنوت منه أستمع منه لأروِّعنه ؛ فجئت من قبل الحجر ،
فدخلت تحت ثيابها ، فجعلت أمشي رويدا ، ورسول الله صلى
الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن ، حتى قمت في قبلته
مستقبله ، ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة .
قال : فلما سمعت القرآن رق له قلبي ،
فبكيت ودخلني الإسلام ، فلم أزل قائما في مكاني ذلك ، حتى
قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ، ثم انصرف ، وكان
إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين ، وكانت طريقه ، حتى
يجزع المسعى ، ثم يسلك بين دار عباس بن عبدالمطلب ، وبين
دار ابن أزهر بن عبد عوف الزهري ، ثم على دار الأخنس بن
شريق ، حتى يدخل بيته . وكان مسكنه صلى الله عليه وسلم
في الدار الرقطاء ، التي كانت بيدي معاوية بن أبي سفيان
.
قال عمر رضي الله عنه : فتبعته حتى
إذا دخل بين دار عباس ، ودار ابن أزهر ، أدركته ؛ فلما سمع
رسول اله صلى الله عليه وسلم حسي عرفني ، فظن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أني إنما تبعته لأوذيه فنهمني ، ثم قال
: ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة ؟ قال :
قلت : جئت لأومن بالله وبرسوله ، وبما جاء من عند الله
؛ قال : فحمد اللهَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ،
ثم قال : قد هداك الله يا عمر ، ثم مسح صدري ، ودعا لي
بالثبات ، ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته .
قال ابن إسحاق : والله أعلم أي ذلك
كان .
ذكر
ثبات عمر في إسلامه و جلده
قال ابن إسحاق : وحدثني نافع مولى
عبدالله بن عمر ، عن ابن عمر ، قال : لما أسلم أبي عمر
قال : أي قريش أنقل للحديث ؟ فقيل له : جميل
بن معمر الجمحي . قال : فغدا عليه . قال
عبدالله بن عمر : فغدوت أتبع أثره ، وأنظر ما يفعل ،
وأنا غلام أعقل كل ما رأيت ، حتى جاءه ، فقال له :
أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ، ودخلت في دين محمد ؟ قال
: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر ،
واتبعت أبي ، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته
: يا معشر قريش ، وهم في أنديتهم حول الكعبة ، ألا إن
عمر بن الخطاب قد صبا .
قال : و يقول عمر من خلفه : كذب
، ولكني قد أسلمت ، وشهدت أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا
عبده ورسوله . وثاروا إليه ، فما برح يقاتلهم
ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم . قال :
وطَلِحَ ، فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول : افعلوا ما
بدا لكم ، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد
تركناها لكم ، أو تركتموها لنا ؛ قال : فبينما هم على
ذلك ، إذ أقبل شيخ من قريش ، عليه حلة حِبْـرَة ، وقميص
موشى ، حتى وقف عليهم ، فقال : ما شأنكم ؟ قالوا
: صبا عمر ؛ فقال : فمه ، رجل اختار لنفسه أمرا
فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي بن كعب يُسلمون لكم
صاحبكم هكذا ! خلوا عن الرجل . قال : فوالله
لكأنما كانوا ثوبا كُشط عنه . قال : فقلت لأبي بعد
أن هاجر إلى المدينة : يا أبت ، من الرجل الذي زجر
القوم عنك بمكة يوم أسلمت ، وهم يقاتلونك ؟ فقال :
ذاك ، أي بُنيّ ، العاص بن وائل السهمي .
قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم
، أنه قال : يا أبت ، من الرجل الذي زجر القوم عنك
بمكة يوم أسلمت ، وهم يقاتلونك ، جزاه الله خيرا . قال
: يا بني ، ذلك العاص بن وائل ، لا جزاه الله خيرا
.
قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالرحمن بن
الحارث عن بعض آل عمر ، أو بعض أهله ، قال : قال عمر
: لما أسلمت تلك الليلة ، تذكرت أيّ أهل مكة أشد لرسول
الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد
أسلمت ؛ قال : قلت : أبو جهل - وكان عمر لحنتمة
بنت هشام بن المغيرة - قال : فأقبلت حين أصبحت حتى
ضربت عليه بابه . قال : فخرج إلي أبو جهل ، فقال
: مرحبا وأهلا بابن أختي ، ما جاء بك ؟ قلت :
جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد ، وصدقت بما
جاء به ؛ قال : فضرب الباب في وجهي وقال : قبحك
الله ، وقبح ما جئت به .
خبر
الصحيفة
ائتمار
قريش بالرسول
قال ابن إسحاق : فلما رأت قريش أن
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا
به أمنا وقرارا ، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم ،
وأن عمر قد أسلم ، فكان هو وحمزة بن عبدالمطلب مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وجعل الإسلام يفشو في
القبائل ، اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا
يتعاقدون فيه على بني هاشم ، و بني المطلب ، على أن لا
يُنكحوا إليهم ولا يُنكحوهم ، ولا يبيعوهم شيئا ، ولا
يبتاعوا منهم ؛ فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ، ثم
تعاهدوا وتواثقوا على ذلك ، ثم علقوا الصحيفة في جوف
الكعبة توكيدا على أنفسهم ، وكان كاتبَ الصحيفة منصورُ بن
عكرمة بن عامر ابن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي -
قال ابن هشام : ويقال : النضر بن الحارث - فدعا
عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشُلّ بعض أصابعه
.
من
انحاز إلى أبي طالب ومن خرج عنه
قال ابن إسحاق : فلما فعلت ذلك قريش
انحازت بنو هاشم و بنو المطلب إلى أبي طالب بن عبدالمطلب ،
فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه ، وخرج من بني هاشم أبو
لهب ، عبدالعزى بن عبدالمطلب ، إلى قريش ، فظاهرهم .
تهكم
أبي لهب بالرسول صلى الله عليه و سلم ، و ما نزل فيه من
القرآن
قال ابن إسحاق : وحدثني حسين بن
عبدالله : أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ربيعة ، حين
فارق قومه ، وظاهر عليهم قريشا ، فقال : يا بنت عتبة ؛
هل نصرت اللات والعزى ، وفارقت من فارقهما وظاهر عليهما
؟ قالت : نعم ، فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة .
قال ابن إسحاق : وحُدثت أنه كان يقول
بعض ما يقول : يعدني محمد أشياء لا أراها ، يزعم أنها
كائنة بعد الموت ، فماذا وضع في يديّ بعد ذلك ؟ ثم
ينفخ في يديه ويقول : تبا لكما ، ما أرى فيكما شيئا
مما يقول محمد . فأنزل الله تعالى فيه : (
تبت يدا أبي لهب وتبَّ ) .
قال ابن هشام : تَـَّبت : خسرت
. والتباب : الخسران . قال حبيب بن خُدْرة
الخارجي : أحد بني هلال بن عامر بن صعصعة :
يا طيب إنا في معشر ذهبت * مسعاتهم في
التبار والتببِ
وهذا البيت في قصيدة له .
شعر
أبي طالب في تظاهر قريش على الرسول الله صلى الله عليه و
سلم
قال ابن إسحاق : فلما اجتمعت على ذلك
قريش ، وصنعوا فيه الذي صنعوا . قال أبو طالب :
ألا أبلغا عني على ذات بيننا * لؤيا
وخُصَّا من لؤي بني كعبِ
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى
خُط في أول الكتب
وأن عليه في العباد محبة * ولا خير ممن
خصه الله بالحب
وأن الذي ألصقتمُ من كتابكم * لكم كائن
نحسا كراغيه السقب
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحُفر الثرى *
ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب
ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا * أواصرنا
بعد المودة والقرب
وتستجلبوا حربا عوانا وربما * أمرّ على
من ذاقه جلب الحرب
فلسنا ورب البيت نُسلم أحمدا * لعزَّاء
من عض الزمان ولا كرب
ولما تبنْ منا ومنكم سوالف * وأيد أُترّت
بالقُساسية الشهب
بمعترك ضيق ترى كسر القنا * به والنسور
الطُخم يعكفن كالشَّرب
كأن مجُال الخيل في حَجَراته * ومعمعة
الأبطال معركة الحرب
أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه
بالطعان وبالضرب
ولسنا نمل الحرب حتى تملنا * ولا نشتكي
ما قد ينوب من النكب
ولكننا أهل الحفائظ والنهى * إذا طار
أرواح الكماة من الرعب
فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا ، حتى
جُهدوا لا يصل إليهم شيء ، إلا سرا مستخفيا به من أراد
صلتهم من قريش .
أبو
جهل يحكم الحصار على المسلمين
وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون -
لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد ، معه غلام يحمل قمحا
يريد به عمته خديجة بنت خويلد ، وهي عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، ومعه في الشعب ، فتعلق به وقال :
أتذهب بالطعام إلى بني هاشم ؟ والله لا تبرح أنت
وطعامك حتى أفضحك بمكة .
فجاءه أبو البَخْتري بن هشام بن الحارث
بن أسد ، فقال : ما لك وله ؟ فقال : يحمل
الطعام إلى بني هاشم ؛ فقال له أبو البختري : طعام كان
لعمته عنده بعثت إليه فيه ، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها
! خلّ سبيل الرجل ؛ فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من
صاحبه ، فأخذ له أبو البختري لَـحْي بعير فضربه به فشجه ،
ووطئه وطأ شديدا ، وحمزة بن عبدالمطلب قريب يرى ذلك ، وهم
يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
، فيشمتوا بهم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك
يدعو قومه ليلا ونهارا ، و سرا وجهارا ، مباديا بأمر الله
لا يتقي فيه أحدا من الناس .
ذكر
ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه من الأذى
ما
نزل من القرآن في أبي لهب وامرأته حمالة الحطب
فجعلت قريش حين منعه الله منها ، وقام
عمه وقومه من بني هاشم ، وبني المطلب دونه ، وحالوا بينهم
وبين ما أرادوا من البطش به ، يهمزونه ويستهزئون به
ويخاصمونه ، وجعل القرآن ينـزل في قريش بأحداثهم ، وفيمن
نصب لعداوته منهم ، ومنهم من سمّى لنا ، ومنهم من نزل فيه
القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار ، فكان ممن سمّي لنا
من قريش ممن نزل فيه القرآن عمه أبو لهب بن عبدالمطلب
وامرأته أم جميل بنت حرب ابن أمية ، حمالة الحطب ، وإنما
سماها الله تعالى حمالة الحطب ، لأنها كانت - فيما بلغني -
تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم
حيث يمر ، فأنزل الله تعالى فيهما
: (
تبت يدا أبي لهب وتب ، ما أغنى عنه ماله وما كسب ، سيصلى
نارا ذات لهب ، وامرأته حمالةَ الحطب ، في جيدها حبل من
مسد ) .
قال ابن هشام : الجيد : العنق
. قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :
يوم تُبدي لنا قُتيلة عن جيد * أسيل
تزينه الأطواقُ
وهذا البيت في قصيدة له . وجمعه
: أجياد . والمسد : شجر يدق كما يدق الكتان
فتفتل منه حبال . قال النابغة الذبياني ، واسمه زياد
بن عمرو ابن معاوية :
مقذوفة بدخيس النحض بازلها * له صريف
صريف القعو بالمسدِ
وهذا البيت في قصيدة له . وواحدته
: مسدة .
أم
جميل امرأة أبي لهب و رد الله كيدها عن الرسول صلى الله
عليه و سلم
قال ابن إسحاق : فذُكر لي : أن
أم جميل : حمالة الحطب ، حين سمعت ما نزل فيها ، وفي
زوجها من القرآن ، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو
جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق ، وفي يدها
فِهْر من حجارة ، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا ترى إلا أبا بكر ،
فقالت : يا أبا بكر ، أين صاحبك ؟ فقد بلغني أنه
يهجوني ، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ، أما والله
إني لشاعرة ، ثم قالت :
مذمما عصينا وأمره أبَيْنا
ودينه قَلَيْنا *
ثم انصرفت ، فقال أبو بكر : يا رسول
الله أما تُراها رأتك ؟ فقال : ما رأتني ، لقد أخذ
الله ببصرها عني .
قال ابن هشام : قولها ( ودينه
قلينا ) عن غير ابن إسحاق .
قال ابن إسحاق : وكانت قريش إنما
تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم مذمما ، ثم يسبونه ،
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ألا تعجبون
لما يصرف الله عني من أذى قريش ، يسبون و يهجون مذمما ،
وأنا محمد .
إيذاء
أمية بن خلف للرسول صلى الله عليه و سلم
وأمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح ،
كان إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم همزه ولمزه ،
فأنزل الله تعالى فيه : (
ويل لك همزة لمزة ، الذي جمع مالا وعدده . يحسب أن
ماله أخلده . كلا لينبذن في الحطمة ، وما أدراك ما
الحطمة ، نار الله الموقدة ، التي تطلع على الأفئدة .
إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة ) .
قال ابن هشام : الهمزة : الذي
يشتم الرجل علانية ، ويكسر عينيه عليه ، ويغمز به .
قال حسان بن ثابت :
همزتك فاخْتضعْتُ لذل نفس * بقافية تأجج
كالشُواظِ
وهذا البيت في قصيدة له . وجمعه
: همزات . واللمزة : الذي يعيب الناس سرا
ويؤذيهم .
قال رؤبة بن العجاج :
في ظل عَصْريْ باطلي ولمزي *
وهذا البيت في أرجوزة له ، وجمعه :
لمزات .
إيذاء
العاص الرسول صلى الله عليه وسلم وما نزل فيه من قرآن
قال ابن إسحاق : والعاص بن وائل
السهمي ، كان خباب بن الأرت ، صاحب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، قينا بمكة يعمل السيوف ، وكان قد باع من العاص
ابن وائل سيوفا عملها له حتى كان له عليه مال ، فجاءه
يتقاضاه ، فقال له : يا خباب ، أليس يزعم محمد صاحبكم
هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلُها من ذهب
، أو فضة ، أو ثياب ، أو خدم ! قال خباب : بلى
. قال : فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع
إلى تلك الدار فأقضيك هنالك حقك ، فوالله لا تكون أنت
وصاحبك يا خباب آثر عند الله مني ، ولا أعظم حظا في ذلك
. فأنزل الله تعالى فيه : (
أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ، أطلع
الغيب ) ... إلى قوله تعالى
: (
ونرثه ما يقول ، ويأتينا فردا ) .
إيذاء
أبي جهل الرسول صلى الله عليه و سلم ، و ما نـزل فيه
ولقي أبو جهل بن هشام رسول الله صلى الله
عليه وسلم - فيما بلغني - فقال له : والله يا محمد ،
لتتركن سب آلهتنا ، أو لنسبن إلهك الذي تعبد . فأنزل
الله تعالى فيه : (
ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ، فيسبوا الله عدوا
بغير علم ) . فذُكر لي أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم كف عن سب آلهتهم ، وجعل يدعوهم إلى
الله .
إيذاء
النضر الرسول صلى الله عليه و سلم ، و ما نـزل فيه
والنضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن
عبد مناف بن عبدالدار بن قصي ، كان إذا جلس رسول الله صلى
الله عليه وسلم مجلسا ، فدعا فيه إلى الله تعالى وتلا فيه
القرآن ، وحذر فيه قريشا ما أصاب الأمم الخالية ، خلفه في
مجلسه إذا قام ، فحدثهم عن رستم السنديد ، وعن أسفنديار ،
وملوك فارس ، ثم يقول : والله ما محمد بأحسن حديثا مني
، وما حديثه إلا أساطير الأولين ، اكتتبها كما اكتتبتها
. فأنزل الله فيه : (
وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا
، قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ، إنه كان
غفورا رحيما ) . ونزل فيه (
إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين )
. ونزل فيه : (
ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تُتلى عليه ثم يُصرّ
مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ، فبشره بعذاب
أليم ) .
قال ابن هشام : الأفاك : الكذاب
. وفي كتاب الله تعالى : (
ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله ، وإنهم لكاذبون )
.
وقال رؤبة بن العجاج :
ما لامرىء أفَّك قولا إفكا *
وهذا البيت في أرجوزة له .
قال ابن إسحاق : وجلس رسول الله صلى
الله عليه وسلم يوما - فيما بلغني - مع الوليد بن المغيرة
في المسجد ، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم في المجلس
، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش ، فتكلم رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، فعرض له النضر بن الحارث ، فكلمه رسول
الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ، ثم تلا عليه وعليهم
: (
إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ،
لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ، وكل فيها خالدون ، لهم فيها
زفير ، وهم فيها لا يسمعون ) .
قال ابن هشام : حصب جهنم : كل ما
أوقدت به . قال أبو ذؤيب الهذلي ، واسمه خويلد بن
خالد:
فأطفىء ولا توقد ولا تك محضأ * لنار
العداة أن تطير شكاتها
وهذا البيت في أبيات له . ويُروى
( ولا تك محضأ ) . قال الشاعر :
حضأت له ناري فأبصر ضوءها * وما كان لولا
حضأة النار يهتدي
مقالة
ابن الزبعرى ، وما أنـزل الله فيه
قال ابن إسحاق : ثم قام رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وأقبل عبدالله بن الزبعرى السهمي حتى
جلس ، فقال الوليد بن المغيرة لعبدالله بن الزبعرى :
والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبدالمطلب آنفا وما قعد
، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم ؛
فقال عبدالله بن الزبعرى : أما والله لو وجدته خصمته ،
فسلوا محمدا : أكلّ ما يُعبد من دون الله في جهنم مع
من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة ، واليهود تعبد عزيرا ،
والنصارى تعبد عيسى بن مريم عليهما السلام ؛ فعجب الوليد ،
ومن كان معه في المجلس من قول عبدالله بن الزبعرى ، ورأوا
أنه قد احتج وخاصم . فذُكر لرسول الله صلى الله عليه
وسلم من قول ابن الزبعرى ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : إن كل من أحب أن يُعبد من دون الله فهو مع من
عبده ، إنهم إنما يعبدون الشياطين ، ومن أمرتهم بعبادته
. فأنزل الله تعالى عليه في ذلك : (
إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ، أولئك عنها مبعدون ، لا
يسمعون حسيسها ، وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون )
: أي عيسى بن مريم ، وعزيرا ، ومن عُبدوا من الأحبار
والرهبان الذي مضوا على طاعة الله ، فاتخذهم من يعبدهم من
أهل الضلالة أربابا من دون الله .
ونزَّل فيما يذكرون ، أنهم يعبدون
الملائكة ، وأنها بنات الله : (
وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ، بل عباد مكرمون . لا
يسبقونه بالقول ، وهم بأمره يعملون )
... إلى قوله : (
ومن يقل منهم إني إله من دونه ، فذلك نجزيه جهنم ، كذلك
نجزي الظالمين ) .
ونزّل فيما ذكر من أمر عيسى بن مريم أنه
يُعبد من دون الله ، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته
: (
ولما ضُرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون )
: أي يصدون عن أمرك بذلك من قولهم .
ثم ذكر عيسى بن مريم فقال : (
إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ، وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ،
ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ، وإنه لعلم
للساعة فلا تمترُنَّ بها واتبعون هذا صراط مستقيم )
: أي ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى ،
وإبراء الأسقام ، فكفى به دليلا على علم الساعة ، يقول
: (
فلا تمترن بها واتبعون ، هذا صراط مستقيم )
.
الأخنس
بن شريق ، وما أنزل الله فيه
قال ابن إسحاق : والأخنس بن شريق بن
عمرو بن وهب الثقفي ، حليف بني زهرة ، وكان من أشراف القوم
وممن يُستمع منه ، فكان يصيب من رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، ويرد عليه ؛ فأنزل الله تعالى فيه : (
ولا تطع كل حلاف مهين ، هماز مشاء بنميم )
... إلى قوله تعالى : ( زنيم ) ،
ولم يقل : ( زنيم ) لعيب في نسبه ، لأن الله
لا يعيب أحدا بنسب ، ولكنه حقق بذلك نعته ليُعرف .
والزنيم : العديد للقوم . وقد قال الخطيم التميمي
في الجاهلية :
زنيم تداعاه الرجال زيادة * كما زيد في
عرض الأديم الأكارعُ
الوليد
بن المغيرة ، وما أنزل الله تعالى فيه
والوليد بن المغيرة ، قال :
أيُنـزَّل على محمد وأُترك وأنا كبير قريش وسيدها ، ويترك
أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف ، ونحن عظيما
القريتين ، فأنزل الله تعالى فيه ، فيما بلغني : (
وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم )
... إلى قوله تعالى : (
مما يجمعون ) .
أبي
بن خلف وعقبة بن أبي معيط وما أنزل الله فيهما
وأبي بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح ،
وعقبة بن أبي معيط ، وكانا متصافيين ، حَسَنا ما بينهما
. فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وسمع منه ، فبلغ ذلك أبيا ، فأتى عقبة فقال له : ألم
يبلغني أنك جالست محمدا وسمعت منه ، قال : وجهي من
وجهك حرام أن أكلمك - واستغلظ من اليمين - إن أنت جلست
إليه أو سمعت منه ، أو لم تأته فتتفل في وجهه . ففعل
ذلك عدو الله عقبة بن أبي معيط لعنه الله . فأنزل الله
تعالى فيهما : (
ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول
سبيلا ) ... إلى قوله تعالى
: (
للإنسان خذولا ) .
ومشى أبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعظم بال قد ارْفتَّ ، فقال : يا محمد ، أنت
تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرمّ ، ثم فتَّه في يده ، ثم
نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، أنا أقول ذلك ،
يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا ، ثم يدخلك الله النار
. فأنزل الله تعالى فيه : (
وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال : من يحيي العظام وهي
رميم ، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ،
الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ، فإذا أنتم منه توقدون
) .
سورة
(
قل يا أيها الكافرون ) وسبب نزولها
واعترض رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ،
وهو يطوف بالكعبة - فيما بلغني - الأسود بن المطلب بن أسد
بن عبدالعزى ، والوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، والعاص
بن وائل السهمي ، وكانوا ذوي أسنان في قومهم ، فقالوا
: يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ،
فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما
نعبد ، كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما
تعبد ، كنت قد أخذت بحظك منه . فأنزل الله تعالى فيهم
: (
قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم
عابدون ما أعبد ، ولا أنا عابد ما عبدتم . ولا أنتم
عابدون ما أعبد . لكم دينكم ولي دينِ )
أي إن كنتم لا تعبدون الله ، إلا أن أعبد ما تعبدون ، فلا
حاجة لي بذلك منكم ، لكم دينكم جميعا ، ولي ديني .
أبو
جهل ، وما أنزل الله فيه
وأبو جهل بن هشام ، لما ذكر الله عز وجل
شجرة الزقوم تخويفا بها لهم ، قال : يا معشر قريش ، هل
تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد ؟ قالوا
: لا ؛ قال : عجوة يثرب بالزبد ، والله لئن
استمكنا منها لنتزقمنَّها تزقما . فأنزل الله تعالى
فيه : (
إن شجرة الزقوم ، طعام الأثيم ، كالمهل يغلي في البطون
كغلي الحميم ) : أي ليس كما يقول
.
تفسير لفظ ( المهل )
قال ابن هشام : المهل : كل شيء
أذبته ، من نحاس أو رصاص أو ما أشبه ذلك فيما أخبرني أبو
عبيدة .
وبلغنا عن الحسن البصري أنه قال :
كان عبدالله بن مسعود واليا لعمر ابن الخطاب على بيت مال
الكوفة ، وأنه أمر يوما بفضة فأُذيبت ، فجعلت تلون ألوانا
، فقال : هل بالباب من أحد ؟ قالوا : نعم ؛
قال : فأدخلوهم ، فأدخلوا ، فقال : إن أدنى ما
أنتم راءون شبها بالمهل ، لهذا . وقال الشاعر :
يسقيه ربي حميم المهل يجرعه * يشوي
الوجوه فهو في بطنه صهر
ويقال : إن المهل : صديد الجسد
.
وقال عبدالله بن الزبير الأسدي :
فمن عاش منهم عاش عبدا وإن يمت * ففي
النار يُسقى مهلها وصديدها
وهذا البيت في قصيدة له .
استشهاد في تفسير ( المهل )
بكلام لأبي بكر
بلغنا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه
لما حُضِر أمر بثوبين لَبِيْسين يُغسلان فيكفن فيهما ،
فقالت له عائشة : قد أغناك الله يا أبت عنهما ، فاشترِ
كفنا ، فقال : إنما هي ساعة حتى يصير إلى المهل .
قال الشاعر :
شاب بالماء منه مُهلا كريها * ثم علّ
المتون بعد النهالِ
قال ابن إسحاق : فأنزل الله تعالى
فيه : (
والشجرة الملعونة في القرآن ، وُنخوفهم فما يزيدهم إلا
طغيانا كبيرا ) .
ابن
أم مكتوم ، والوليد ، و نزول سورة ( عبس )
ووقف الوليد بن المغيرة مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، و رسول الله عليه و سلم يكلمه ، وقد طمع
في إسلامه ، فبينا هو في ذلك ، إذ مر به ابن أم مكتوم
الأعمى ، فكلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل
يستقرئه القرآن ، فشق ذلك منه على رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى أضجره ، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد
، وما طمع فيه من إسلامه . فلما أكثر عليه انصرف عنه
عابسا وتركه . فأنزل الله تعالى فيه : (
عبس وتولى أن جاءه الأعمى )
... إلى قوله تعالى : (
في صحف مكرمة ، مرفوعة مطهرة ) أي إنما
بعثتك بشيرا ونذيرا ، لم أخص بك أحدا دون أحد ، فلا تمنعه
ممن ابتغاه ، ولا تتصدينّ به لمن لا يريده .
قال ابن هشام : ابن أم مكتوم ، أحد
بني عامر بن لؤي ، و اسمه عبدالله ، و يقال : عمرو
.