|
إسلام حمزة رضي الله
عنه
سبب إسلامه
قال ابن إسحاق : حدثني رجل من أسلم ،
كان واعية : أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه
وسلم عند الصفا ، فآذاه وشتمه ، ونال منه بعض ما يكره من
العيب لدينه ، والتضعيف لأمره ؛ فلم يكلمه رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، ومولاة لعبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب
بن سعد بن تيم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك ، ثم انصرف
عنه فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة ، فجلس معهم .
فلم يلبث حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه أن أقبل متوشحا
قوسه ، راجعا من قنص له ، و كان صاحب قنص يرميه ويخرج له ،
وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة ،
وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم
وتحدث معهم ، وكان أعز فتى في قريش ، وأشد شكيمة .
فلما مر بالمولاة ، وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى بيته ، قالت له : يا أبا عُمارة ، لو رأيت ما لقي
ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام : وجده هاهنا
جالسا فآذاه وسبه ، وبلغ منه ما يكره ، ثم انصرف عنه ولم
يكلمه محمد صلى الله عليه وسلم .
إيقاع حمزة بأبي جهل و إسلامه
:فاحتمل حمزةَ الغضبُ لما أراد الله به من كرامته ، فخرج
يسعى ولم يقف على أحد ، مُعِدّا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع
به ؛ فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم ، فأقبل
نحوه ، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة
منكرة ، ثم قال : أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول
؟ فرد ذلك علي إن استطعت . فقامت رجال من بني
مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل ؛ فقال أبو جهل : دعوا
أبا عمارة ، فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا ، وتم
حمزة رضي الله عنه على إسلامه ، وعلى ما تابع عليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم من قوله . فلما أسلم حمزة
عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع ،
وأن حمزة سيمنعه ، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه .
قول
عتبة بن ربيعة في أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم
عتبة
بن ربيعة يفاوض الرسول صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن زياد
، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : حدثت أن عتبة بن
ربيعة ، وكان سيدا ، قال يوما وهو جالس في نادي قريش ،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده :
يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا
لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ، ويكف عنا ؟ وذلك
حين أسلم حمزة ، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
يزيدون ويكثرون ؛ فقال : بلى يا أبا الوليد ، قم إليه
فكلمه ؛ فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فقال : يا ابن أخي ، إنك منا حيث قد علمت
من السِّطَة في العشيرة ، والمكان في النسب ، وإنك أتيت
قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به
آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض
عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها . قال فقال
له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل يا أبا الوليد ،
أسمعْ ؛ قال : يا ابن أخي ، إن كنت إنما تريد بما جئت
به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا
مالا ، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا ، حتى لا نقطع
أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ؛ وإن كان
هذا الذي يأتيك رَئيِّا تراه لا تستيطع رده عن نفسك ،
طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه
ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه ، أو كما قال له
. حتى إذا فرغ عتبة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم
يستمع منه ، قال : أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال
: نعم ، قال : فاسمع مني ؛ قال : أفعل ؛ فقال
: ( بسم الله الرحمن الرحيم .
حم . تنـزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته
قرآنا عربيا لقوم يعلمون . بشيرا ونذيرا ، فأعرض
أكثرهم فهم لا يسمعون . وقالوا قلوبنا في أكنة مما
تدعونا إليه ) ثم مضى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فيها يقرؤها عليه . فلما سمعها منه عتبة ،
أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه ؛
ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها ،
فسجد ثم قال : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ، فأنت
وذاك . رأي عتبة
فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض
: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي
ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا
الوليد ؟ قال : ورائي أني قد سمعت قولا والله ما
سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا
بالكهانة ، يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بي ، وخلوا
بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونن
لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد
كُفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه
عزكم ، وكنتم أسعد الناس به ؛ قالوا : سحرك والله يا
أبا الوليد بلسانه ؛ قال : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما
بدا لكم .
ما دار بين رسول الله صلى الله عليه و
سلم و بين رؤساء قريش ، و تفسير لسورة الكهف
قريش
تفتن المسلمين ، و تستمر على تعذيب من أسلم
: قال ابن إسحاق : ثم ان الإسلام جعل يفشو بمكة في
قبائل قريش في الرجال والنساء ، وقريش تحبس من قدرت على
حبسه ، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين ، ثم إن أشراف
قريش من كل قبيلة ، كما حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن
جبير ، وعن عكرمة مولى ابن عباس ، عن عبدالله بن عباس رضي
الله عنهما قال :
زعماء
قريش تفاوض الرسول صلى الله عليه وسلم :اجتمع
عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ،
والنضر ابن الحارث بن كلدة ، أخو بني عبدالدار ، وأبو
البختري بن هشام ، والأسود بن المطلب بن أسد ، وزمعة بن
الأسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام وعبدالله
بن أبي أمية ، والعاص بن وائل ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج
السهميان ، وأمية بن خلف ، أو من اجتمع منهم . قال
: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، ثم قال
بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى
تُعذروا فيه ، فبعثوا إليه : إن أشراف قومك قد اجتمعوا
لك ليكلموك ، فأتهم ؛ فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
سريعا ، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء ، وكان
عليهم حريصا يحب رشدهم ، ويعز عليه عنتهم ، حتى جلس إليهم
؛ فقالوا له : يا محمد ، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك ،
وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما
أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وشتمت
الآلهة ، وسفهت الأحلام ، وفرقت الجماعة ، فما بقي أمر
قبيح إلا جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا له - فإن
كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من
أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب به
الشرف فينا ، فنحن نسودك علينا ، وإن كنت تريد به ملكا
ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب
عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا - فربما كان ذلك
، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه ،
أونُعذر فيك ؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
: ما بي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم
، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني
إليكم رسولا ، وأنزل علي كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا
ونذيرا ، فبلغتكم رسالات ربي ، ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني
ما جئتكم به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي
أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ، أو كما قال
صلى الله عليه وسلم .
قالوا : يا محمد ، فإن كنت غير قابل
منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس
أحد أضيق بلدا ، ولا أقل ماء ، ولا أشد عيشا منا ، فسل لنا
ربك الذي بعثك بما بعثك به ، فَلْيُسيـِّرْ عنا هذه الجبال
التي قد ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليفجر لنا فيها
أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من
آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ، فإنه كان
شيخ صدق ، فنسألهم عما تقول : أحق هو أم باطل ، فإن
صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك ، وعرفنا به منزلتك من الله
، وأنه بعثك رسولا كما تقول . فقال لهم صلوات الله
وسلامه عليه : ما بهذا بعثت إليكم ، إنما جئتكم من
الله بما بعثني به ، وقد بلغتكم ما أُرسلت به إليكم ، فإن
تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر
لأمر الله تعالى ، حتى يحكم الله بيني وبينكم .
قالوا : فإذا لم تفعل هذا لنا ، فخذ
لنفسك ، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ،
ويراجعنا عنك ، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب
وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي ، فإنك تقوم بالأسواق كما
نقوم ، وتلتمس المعاش منا كما تلتمسه ، حتى نعرف فضلك
ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم .
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
: ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما
بُعثت إليكم بهذا ، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا - أو كما
قال - فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة
، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم
.
قالوا : فأسقط السماء علينا كسفا كما
زعمت أن ربك إن شاء فعل ، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل
.
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ذلك إلى الله ، إن شاء أن يفعله بكم فعل .
قالوا : يا محمد ، أفما علم ربك أنا
سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ، ونطلب منك ما نطلب ،
فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ، ويخبرك ما هو صانع في
ذلك بنا ، إذ لم نقبل منك ما جئتنا به ! إنه قد بلغنا
أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له : الرحمن ،
وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا ، فقد أعذرنا إليك يا
محمد ، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك ، أو
تهلكنا . وقال قائلهم : نحن نبعد الملائكة ، وهي
بنات الله . وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتينا
بالله والملائكة قبيلا .
حديث
عبدالله بن أبي أمية مع رسول الله صلى الله عليه و سلم
فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه
وسلم ، قام عنهم ، وقام معه عبدالله بن أبي أمية بن
المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم - وهو ابن عمته ، فهو
لعاتكة بنت عبدالمطلب - فقال له : يا محمد ، عرض عليك
قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أمورا
ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ، ويصدقوك ويتبعوك
فلم تفعل ، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك
عليهم ، ومنزلتك من الله ، فلم تفعل ، ثم سألوك أن تعجل
لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب ، فلم تفعل - أو كما قال
له - فوالله لا أومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ،
ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ، ثم تأتي معك
أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ، وأيم الله ،
لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك ، ثم انصرف عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم . وانصرف رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من
قومه حين دعوه ، ولما رأى من مباعدتهم إياه .
أبو
جهل يتوعد الرسول صلى الله عليه وسلم
فلما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، قال أبو جهل : يا معشر قريش ، إن محمدا قد أبى
إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا
، وشتم آلهتنا ، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما
أُطيق حمله - أو كما قال - فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه
، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني ، فليصنع بعد ذلك بنو عبد
مناف ما بدا لهم ؛ قالوا : والله لا نسلمك لشيء أبدا ،
فامض لما تريد .
ما
حدث لأبي جهل حين هم بإلقاء الحجر على الرسول صلى الله
عليه و سلم
فلما أصبح أبو جهل ، أخذ حجرا كما وصف ،
ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره ، وغدا رسول
الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو . وكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم بمكة وقبلته إلى الشام ، فكان إذا
صلى صلى بين الركن اليماني والحجر الأسود ، وجعل الكعبة
بينه وبين الشام ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي
وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل ،
فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل
الحجر ، ثم أقبل نحوه ، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا
لونه مرعوبا قد يـبست يداه على حجره ، حتى قذف الحجر من
يده ، وقامت إليه رجال قريش ، فقالوا له : ما لك يا
أبا الحكم ؟ قال : قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم
البارحة ، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل ، لا
والله ما رأيت مثل هامته ، ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل
قط ، فهمَّ بي أن يأكلني .
قال ابن إسحاق : فذُكر لي أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ذلك جبريل عليه
السلام ، لو دنا لأخذه .
النضر
بن الحارث ينصح قريشا بالتدبر فيما جاء به الرسول صلى الله
عليه و سلم
فلما قال لهم ذلك أبو جهل ، قام النضر بن
الحارث بن كلدة بن علقمة ابن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي
.
قال ابن هشام : ويقال النضر بن
الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف .
قال ابن إسحاق : فقال : يا معشر
قريش ، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد ،
قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثا
، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب ، وجاءكم
بما جاءكم به ، قلتم ساحر ، لا والله ما هو بساحر ، لقد
رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم ؛ وقلتم كاهن ، لا والله ما هو
بكاهن ، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم ؛ وقلتم
شاعر ، لا والله ما هو بشاعر ، قد رأينا الشعر ، وسمعنا
أصنافه كلها : هزجه ورجزه ؛ وقلتم مجنون ، لا والله ما
هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ، ولا وسوسته ،
ولا تخليطه ، يا معشر قريش ، فانظروا في شأنكم ، فإنه
والله لقد نزل بكم أمر عظيم .
أذى
النضر بن الحارث للرسول صلى الله عليه وسلم
وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش ،
وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينصب له
العداوة ، وكان قد قدم الحيرة ، وتعلم بها أحاديث ملوك
الفرس ، وأحاديث رستم واسبنديار ، فكان إذا جلس رسول الله
صلى الله عليه وسلم مجلسا فذكَّر فيه بالله ، وحذر قومه ما
أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله ، خلفه في مجلسه إذا
قام ، ثم قال : أنا والله يا معشر قريش ، أحسن حديثا
منه ، فهلم إلي ، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ، ثم يحدثهم
عن ملوك فارس ورستم واسبنديار ، ثم يقول : بماذا محمد
أحسن حديثا مني ؟ . قال ابن هشام : وهو الذي
قال فيما بلغني : سأنزل مثل ما أنزل الله . قال
ابن إسحاق : وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول - فيما
بلغني - : نزل فيه ثمان آيات من القرآن : قول الله
عز وجل : (
إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين )
. وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن .
قريش
تسأل أحبار اليهود في شأنه عليه الصلاة والسلام
:فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه ، وبعثوا معه
عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة ، وقالوا لهما
: سلاهم عن محمد ، وصفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله ،
فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ليس عندنا من علم
الأنبياء ، فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار يهود عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووصفا لهم أمره ، وأخبراهم
ببعض قوله ، وقالا لهم : إنكم أهل التوراة ، وقد
جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا .
فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن
ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم
يفعل فالرجل متقول ، فروا فيه رأيكم . سلوه عن فتية
ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم ؛ فإنه قد كان لهم حديث
عجب ، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما
كان نبؤه ، وسلوه ما هي ؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه ،
فإنه نبي ، وإن لم يفعل ، فهو رجل متقول ، فاصنعوا في أمره
ما بدا لكم .
فأقبل النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي
معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي
حتى قدما مكة على قريش ، فقالا : يا معشر قريش ، قد
جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، قد أخبرنا أحبار يهود أن
نسأله عن أشياء أمرونا بها ، فإن أخبركم عنها فهو نبي ،
وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فرَوْا فيه رأيكم .
قريش
تسأل والرسول يجيب
فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقالوا : يا محمد ، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر
الأول قد كانت لهم قصة عجب ؛ وعن رجل كان طوافا قد بلغ
مشارق الأرض ومغاربها ؛ وأخبرنا عن الروح ما هي ؟ قال
: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخبركم
بما سألتم عنه غدا ، ولم يستثن ، فانصرفوا عنه .
فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم -
فيما يذكرون - خمس عشرة ليلة لا يحُدث الله إليه في ذلك
وحيا ، ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف أهل مكة ، وقالوا :
وعدنا محمدا غدا ، واليوم خمس عشرة ليلة ، قد أصبحنا منها
لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول الله صلى
الله عليه وسلم مُكْث الوحي عنه ، وشق عليه ما يتكلم به
أهل مكة : ثم جاءه جبريل من الله عز وجل بسورة أصحاب
الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه
عنه من أمر الفتية ، والرجل الطواف ، والروح .
الرد
على قريش فيما سألوه
قال ابن إسحاق : فذكر لي أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه : لقد
احتبست عني يا جبريل حتى سُؤت ظنا ؛ فقال له جبريل :
(
وما نتنـزَّل إلا بأمر ربك ، له ما بين أيدينا وما خلفنا
وما بين ذلك ، وما كان ربك نسيا ) .
فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده وذكر نبوة رسوله ، لما
أنكروه عليه من ذلك ، فقال : (
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب )
يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، إنك رسول مني : أي
تحقيق لما سألوه عنه من نبوتك . (
ولم يجعل له عوجا قيما ) أي معتدلا ، لا
اختلاف فيه . (
لينذر بأسا شديدا من لدنه ) : أي عاجل
عقوبته في الدنيا . وعذابا أليما في الآخرة : أي
من عند ربك الذي بعث رسولا . (
ويـبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ،
ماكثين فيه أبدا ) : أي دار الخلد
. ( لا يموتون فيها ) الذين صدقوك بما جئت به
مما كذبك به غيرهم ، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال
. (
وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ) يعني
قريشا في قولهم : إنا نعبد الملائكة ، وهي بنات الله
. (
ما لهم به من علم ولا لآبائهم ) الذين
أعظموا فراقهم وعيب دينهم . (
كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) : أي
لقولهم : إن الملائكة بنات الله . (
إن يقولون إلا كذبا ، فلعلك باخع نفسك )
يا محمد (
على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا )
: أي لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم : أي
لا تفعل .
قال ابن هشام : باخع نفسك ، أي مهلك
نفسك ، فيما حدثني أبو عبيدة . قال ذو الرمة :
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه * لشيء
نحَتْه عن يديه المقادرُ
وجمعه : باخعون وبخعة . وهذا
البيت في قصيدة له . وتقول العرب : قد بخعت له
نصحي ونفسي ، أي جهدت له . (
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
) .
قال ابن إسحاق : أي أيهم أتبع لأمري
، وأعمل بطاعتي . (
وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) :
أي الأرض ، وإن ما عليها لفان وزائل ، وإن المرجع إلي ،
فأجزي كلا بعمله ، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى فيها
.
قال ابن هشام : الصعيد : الأرض ،
وجمعه : صعد . قال ذو الرمة يصف ظبيا صغيرا :
كأنه بالضحى ترمي الصعيد به * دبَّابة في
عظام الرأس خرطومُ
وهذا البيت في قصيدة له . والصعيد
أيضا : الطريق . وقد جاء في الحديث : إياكم
والقعود على الصعدات . يريد الطرق . والجرز :
الأرض التي لا تنبت شيئا ، وجمعها : أجراز . ويقال
: سنة جرز ، وسنون أجراز ، وهي التي لا يكون فيها مطر
، وتكون فيها جُدوبة ويُبْس وشدة . قال ذو الرمة يصف
إبلا :
طوى النحز والأجراز ما في بطونها * فما
بقيت إلا الضلوع الجراشع
وهذا البيت في قصيدة له .
ما
أنزله الله في قصة أهل الكهف
قال ابن إسحاق : ثم استقبل قصة الخبر
فيما سألوه عنه من شأن الفتية ، فقال : (
أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا )
: أي قد كان من آياتي فيما وضعت على العباد من حججي ما
هو أعجب من ذلك .
قال ابن هشام : والرقيم : الكتاب
الذي رُقم فيه بخبرهم ، وجمعه : رُقُم . قال
العجاج :
ومستقر المصحف المرقَّمِ *
وهذا البيت في أرجوزة له .
قال ابن إسحاق : ثم قال تعالى :
(
إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة
وهيىء لنا من أمرنا رشدا . فضربنا على آذانهم في الكهف
سنين عددا . ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما
لبثوا أمدا ) . ثم قال تعالى : (
نحن نقص عليك نبأهم بالحق ) : أي بصدق
الخبر عنهم (
إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ، وربطنا على قلوبهم إذ
قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه
إلها ، لقد قلنا إذا شططا ) : أي لم
يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم .
قال ابن هشام : والشطط : الغلو
ومجاوزة الحق . قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :
لا ينتهون ولا ينهى ذوي شطط * كالطعن
يذهب فيه الزيت والفتلُ
وهذا البيت في قصيدة له .
(
هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان
بين ) .
قال ابن إسحاق : أي بحجة بالغة .
(
فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا . وإذ اعتزلتموهم
وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من
رحمته ، ويهيئ لكم من أمركم مرفقا . وترى الشمس إذا
طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ، وإذا غربت تقرضهم ذات
الشمال ، وهم في فجوة منه ) .
قال ابن هشام : تزاور : تميل ،
وهو من الزور . وقال امرؤ القيس بن حجر :
وإني زعيم إن رجعت مملكا * بسير ترى منه
الفُرانق أزورا
وهذا البيت في قصيدة له . وقال أبو
الزحف الكليبـي يصف بلدا :
جأب المندَّى عن هوانا أزورُ * يُنضي
المطايا خمسه العَشَنـْزَرُ
وهذان البيتان في أرجوزة له . و (
تقرضهم ذات الشمال ) : تجاوزهم
وتتركهم عن شمالها . قال ذو الرمة :
إلى ظُعْن يقرضن أقواز مشرف * شمالا وعن
أيمانهنّ الفوارسُ
وهذا البيت في قصيدة له . والفجوة
: السعة ، وجمعها : الفجاء . قال الشاعر :
ألبست قومك مخزاة ومنقصة * حتى أُبيحوا
وخلوا فجوة الدارِ
(
ذلك من آيات الله ) أي في الحجة على من
عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ، ممن أمر هؤلاء بمسألتك
عنهم في صدق نبوتك بتحقيق الخبر عنهم .
(
من يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا
. وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ، ونقلبهم ذات اليمين وذات
الشمال ، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد )
.
قال ابن هشام : الوصيد : الباب
. قال العبسي ، واسمه عُبيد بن وهب :
بأرض فلاة لا يسد وصيدها * علي ومعروفي
بها غير منكر
وهذا البيت في أبيات له . والوصيد
أيضا : الفناء ، وجمعه : وصائد ، ووصد ، ووصدان ،
وأصد ، وأصدان .
(
لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ، ولملئت منهم رعبا )
إلى قوله : (
قال الذين غلبوا على أمرهم ) أهل السلطان
والملك منهم : (
لنتخذن عليهم مسجدا ، سيقولون ) يعني
أحبار يهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم : (
ثلاثة رابعهم كلبهم ، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ، رجما
بالغيب ) : أي لا علم لهم . (
ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ، قل ربي أعلم بعدتهم ما
يعلمهم إلا قليل ، فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا )
: أي لا تكابرهم . (
ولا تستفت فيهم منهم أحدا ) فإنهم لا علم
لهم بهم .
(
ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ، واذكر
ربك إذا نسيت ، وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا
) : أي ولا تقولن لشيء سألوك عنه كما
قلت في هذا : إني مخبركم غدا . واستثن شِيْئَة
الله ، واذكر ربك إذا نسيت ، وقل عسى أن يهدين ربي لخير
مما سألتموني عنه رشدا ، فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك
. (
ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا )
: أي سيقولون ذلك . (
قل الله أعلم بما لبثوا ، له غيب السماوات والأرض ، أبصر
به وأسمعْ ما لهم من دونه من ولي ، ولا يشرك في حكمه أحدا
) أي لم يخف عليه شيء مما سألوك عنه .
ما أنزل الله تعالى في خبر الرجل الطواف
ذي القرنين
وقال فيما سألوه عنه من أمر الرجل الطواف
: (
ويسئلونك عن ذي القرنين ، قل سأتلو عليكم منه ذكرا .
إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا . فأتبع
سببا ) حتى انتهى إلى آخر قصة خبره .
خبر ذي القرنين
وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتى ما لم
يؤت أحد غيره ، فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى
مشارق الأرض ومغاربها ، لا يطأ أرضا إلا سلط على أهلها ،
حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من
الخلق .
قال ابن إسحاق : فحدثني من يسوق
الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علمه : أن ذا
القرنين كان رجلا من أهل مصر ، اسمه مرزُبان بن مرذبة
اليوناني ، من ولد يونان بن يافث بن نوح .
قال ابن هشام : واسمه الإسكندر ، وهو
الذي بنى الإسكندرية فنسبت إليه .
قال ابن إسحاق : وقد حدثني ثور بن
يزيد عن خالد بن معدان الكلاعي ، وكان رجلا قد أدرك :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال
: ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب .
وقال خالد : سمع عمر بن الخطاب رضي
الله عنه رجلا يقول : يا ذا القرنين ؛ فقال عمر :
اللهم غفرا ، أما رضيتم أن تسمَّوْا بالأنبياء حتى تسميتم
بالملائكة .
قال ابن إسحاق : الله أعلم أي ذلك
كان ، أقال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أم لا
؟ فإن كان قاله ، فالحق ما قال .
ما أنزل الله تعالى في أمر الروح
وقال تعالى فيما سألوه عنه من أمر الروح
: (
ويسألونك عن الروح ، قل الروح من أمر ربي ، وما أوتيتم من
العلم إلا قليلا ) .
سؤال يهود المدينة للرسول صلى الله عليه
و سلم عن المراد من قوله تعالى : ( و ما أوتيتم من
العلم إلا قليلا ) .
قال ابن إسحاق : وحُدثت عن ابن عباس
، أنه قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
المدينة ، قالت أحبار يهود : يا محمد ، أرأيت قولك
: (
وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) إيانا
تريد ، أم قومك ؟ قال : كلا ؛ قالوا : فإنك
تتلو فيما جاءك : أنا قد أوتينا التوراة فيها بيان كل
شيء .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
إنها في علم الله قليل ، وعندكم في ذلك ما يكفيكم لو
أقمتموه . قال : فأنزل الله تعالى عليه فيما سألوه
عنه من ذلك : (
ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ، والبحر يمده من بعده
سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ، إن الله عزيز حكيم )
: أي أن التوراة في هذا من علم الله قليل .
ما أنزل الله تعالى بشأن طلبهم تسيير
الجبال وبعث الموتى
قال : وأنزل الله تعالى عليه فيما
سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال ، وتقطيع الأرض ، وبعث
من مضى من آبائهم من الموتى : (
ولوأن قرآنا سُيرِّت به الجبال ، أو قُطعت به الأرض ، أو
كُلم به الموتى ، بل لله الأمر جميعا )
: أي لا أصنع من ذلك إلا ما شئت .
ما أنزل الله تعالى رداً على قولهم
للرسول صلى الله عليه وسلم : خذ لنفسك
وأُنزل عليه في قولهم : خذ لنفسك ،
ما سألوه أن يأخذ لنفسه ، أن يجعل له جنانا وقصورا وكنوزا
، ويبعث معه ملكا يصدقه بما يقول ، ويرد عنه : (
وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق
لولا أُنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ، أو يُلقى إليه كنـز
، أو تكون له جنة يأكل منها ، وقال الظالمون إن تتبعون إلا
رجلا مسحورا . اُنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا
يستطيعون سبيلا ، تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك
) : أي من أن تمشي في الأسواق وتلتمس
المعاش (
جنات تجري من تحتها الأنهار ، ويجعلْ لك قصورا )
.
لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي لفعلت
وأُنزل عليه في ذلك من قولهم : (
وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ،
ويمشون في الأسواق ، وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ، أتصبرون
وكان ربك بصيرا ) : أي جعلت بعضكم
لبعض بلاء لتصبروا ، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا
يخُالَفوا لفعلت .
القرآن يرد على ابن أبي أمية
وأنزل الله عليه فيما قال عبدالله بن أبي
أمية : (
وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . أو
تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا
. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ، أو تأتي بالله
والملائكة قبيلا . أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في
السماء ، ولن نؤمن لرقيك حتى تنـزل علينا كتابا نقرؤه ، قل
سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) .
قال ابن هشام : الينبوع : ما نبع
من الماء من الأرض وغيرها ، وجمعه : ينابيع . قال
ابن هَرْمة ، واسمه إبراهيم بن علي الفهري .
وإذا هرقت بكل دار عبرة * نُزف الشئون
ودمعك الينبوع
وهذا البيت في قصيدة له . والكسف
: القطع من العذاب ، وواحدته : كسفة ، مثل سدرة
وسدر . وهي أيضا : واحدة الكسف . والقبيل
: يكون مقابلة ومعاينة ، وهو كقوله تعالى : (
أو يأتيهم العذاب قبلا ) : أي عيانا
. وأنشدني أبو عبيدة لأعشى بني قيس بن ثعلبة :
أصالحكم حتى تبوءوا بمثلها * كصرخة
حُبْلى يسَّرتها قبيلُها يعني القابلة ، لأنها تقابلها
وتقبل ولدها . وهذا البيت في قصيدة له . ويقال
: القبيل : جمعه قُبُل ، وهي الجماعات ، وفي كتاب
الله تعالى : (
وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ) فقُبل :
جمع قبيل ، مثل سبل : جمع سبيل ، وسرر : جمع سرير
، و قمص : جمع قميص . والقبيل أيضا : في مثل
من الأمثال ، وهو قولهم : ما يعرف قبيلا من دبير :
أي لا يعرف ما أقبل مما أدبر ؛ قال الكميت بن زيد :
تفرقت الأمور بوجهتيهم * فما عرفوا
الدَّبـيـر من القَبيلِ
وهذا البيت في قصيدة له ، ويقال :
إنما أريد بهذا القبيل : الفتل ، فما فتل إلى الذارع
فهو القبيل ، وما فتل إلى أطراف الأصابع فهو الدبير ، وهو
من الإقبال والإدبار الذي ذكرت . ويقال : فتل
المغزل . فإذا فُتل المغزل إلى الركبة فهو القبيل ،
وإذا فتل إلى الورك فهو الدبير . والقبيل أيضا :
قوم الرجل . والزخرف : الذهب . والمزخرف :
المزين بالذهب . قال العجاج :
من طلل أمسى تخال المصحفا * رسومه
والمذهب المزخرفا
وهذان البيتان في أرجوزة له ، ويقال أيضا
لكل مزيَّن : مزخرف .
نفي القرآن أن رجلا من اليمامة يعلمه
قال ابن إسحاق : وأُنزل في قولهم
: إنا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة ، يقال له
الرحمن ، ولن نؤمن به أبدا : (
كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي
أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن ، قل هو ربي لا إله إلا هو
عليه توكلت ، وإليه متاب ) .
ما أنزله الله تعالى في أبي جهل و ما هم
به
وأُنزل عليه فيما قال أبو جهل بن هشام ،
وما هم به : (
أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ، أرأيت إن كان على الهدى أو
أمر بالتقوى ، أرأيت إن كذب وتولى ، ألم يعلم بأن الله يرى
، كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ، ناصية كاذبة خاطئة ،
فليدع ناديه ، سندع الزبانية ، كلا لا تطعه واسجد واقترب
) .
قال ابن هشام : لنسفعا : لنجذبن
ولنأخذن . قال الشاعر :
قوم إذا سمعوا الصراخ رأيتهم * من بين
ملجم مُهْره أو سافع
والنادي : المجلس الذي يجتمع فيه
القوم ويقضون فيه أمورهم ، وفي كتاب الله تعالى : (
وتأتون في ناديكم المنكر ) وهو الندي
. قال عبيد بن الأبرص :
اذهب إليك فإن من بني أسد * أهل الندي
وأهل الجود والنادي
وفي كتاب الله تعالى : (
وأحسن نديا ) . وجمعه : أندية
. فليدع أهل ناديه . كما قال تعالى : (
واسأل القرية ) يريد أهل القرية . قال
سلامة ابن جندل ، أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم :
يومان يومُ مقامات وأندية * ويوم سير إلى
الأعداء تأويبِ
وهذا البيت في قصيدة له . وقال
الكميت بن زيد :
لا مهاذير في النديّ مكاثيرَ ولا مصمتين
بالإفحامِ *
وهذا البيت في قصيدة له . ويقال
: النادي : الجلساء . والزبانية : الغلاظ
الشداد ، وهم في هذا الموضع : خزنة النار .
والزبانية أيضا في الدنيا : أعوان الرجل الذين يخدمونه
ويعينونه ، والواحد : زِبْنِية . قال ابن الزبعرى
في ذلك :
مطاعيمُ في المقرى مَطاعين في الوغى *
زبانية غلب عظام حلومها
يقول : شداد . وهذا البيت في
أبيات له . وقال صخر بن عبدالله الهذلي ، وهو صخر الغي
:
ومن كبير نفر زبانية *
وهذا البيت في أبيات له .
ما أنزله تعالى فيما عرضوه عليه ، عليه
الصلاة و السلام من أموالهم
قال ابن إسحاق : وأنزل الله تعالى
عليه فيما عرضوا عليه من أموالهم : (
قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ، إن أجري إلا على الله ، وهو
على كل شيء شهيد ) .
استكبار
قريش عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم
فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
بما عرفوا من الحق ، وعرفوا صدقه فيما حدث ، وموقع نبوته
فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عنه ،
حال الحسد منهم له بينهم وبين اتِّباعه وتصديقه ، فعتوا
على الله وتركوا أمره عيانا ، ولجوا فيما هم عليه من الكفر
، فقال قائلهم : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه
لعلكم تغلبون ، أي اجعلوه لغوا وباطلا ، واتخذوه هزوا
لعلكم تغلبونه بذلك ، فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه يوما
غلبكم .
تهكم
أبي جهل بالرسول صلى الله عليه و سلم و تنفير الناس عنه
فقال أبو جهل يوما و هو يهزأ برسول الله
صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق : يا معشر قريش
، يزعم محمد أنما جنود الله الذين يعذبونكم في النار و
يحبسونكم فيها تسعة عشر ، وأنتم أكثر الناس عددا ، وكثرة ،
أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم ؟ فأنزل الله
تعالى عليه في ذلك من قوله : (
وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ، وما جعلنا عدتهم إلا
فتنة للذين كفروا ) إلى آخر القصة ، فلما
قال ذلك بعضهم لبعض ، جعلوا إذا جهر رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالقرآن وهو يصلي ، يتفرقون عنه ، ويأبون أن
يستمعوا له ، فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول
الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلي ،
استرق السمع دونهم فرقا منهم ، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه
يستمع منه ذهب خشية أذاهم فلم يستمع ، وإن خفض رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم صوته ، فظن الذي يستمع أنهم لا
يستمعون شيئا من قراءته ، وسمع هو شيئا دونهم أصاخ له
يستمع منه .
سبب نزول آية : ( و لا تجهر
... الخ )
قال ابن إسحاق : حدثني داود بن
الحصين ، مولى عمرو بن عثمان ، أن عكرمة مولى ابن عباس
حدثهم أن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما حدثهم : إنما
أنزلت هذه الآية : (
ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ، وابتغ بين ذلك سبيلا )
من أجل أولئك النفر . يقول : لا تجهر بصلاتك
فيتفرقوا عنك ، ولا تخافت بها فلا يسمعها من يحب أن يسمعها
ممن يسترق ذلك دونهم لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به
. |