نزول الأمر لرسول الله
صلى الله عليه وسلم في القتال
بسم الله الرحمن الرحيم
قال : حدثنا أبو محمد عبدالملك بن
هشام ، قال : حدثنا زياد بن عبدالله البكائي ، عن محمد
بن إسحاق المطلبي : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء ،
إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى ، والصفح عن
الجاهل ، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى
فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم ، فهم من بين مفتون في
دينه ، ومن بين معذب في أيديهم ، ومن بين هارب في البلاد
فرارا منهم ، منهم من بأرض الحبشة ، ومنهم من بالمدينة ،
وفي كل وجه ؛ فلما عتت قريش على الله عز وجل ، وردوا عليه
ما أرادهم به من الكرامة ، وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم
، وعذبوا ونفوا من عبده ووحَّده وصدق نبيه ، واعتصم بدينه
، أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال
والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم .
فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب
، وإحلاله له الدماء والقتال ، لمن بغى عليهم ، فيما بلغني
عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء ، قول الله تبارك
وتعالى : (
أذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير
. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا
الله ، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّمت صوامع
وبيع وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيرا ، ولينصرن
اللهُ من ينصره ، إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم
في الأرض أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ،
ونهوا عن المنكر ، ولله عاقبة الأمور )
. أي : أني إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظُلموا ،
ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس ، إلا أن يعبدوا
الله ، وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ،
وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر ، يعني النبي صلى الله
عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجميعن ، ثم أنزل الله
تبارك وتعالى عليه : (
وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) . أي
: حتى لا يُفتن مؤمن عن دينه : (
ويكون الدين لله ) . أي : حتى
يُعبدالله ، لا يعبد معه غيره .
إذنه
صلى الله عليه و سلم لمسلمي مكة بالهجرة إلى المدينة
قال ابن إسحاق : فلما أذن الله تعالى
له صلى الله عليه وسلم في الحرب ، وبايعه هذا الحي من
الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه ، وأوى إليهم
من المسلمين ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من
المهاجرين من قومه ، ومن معه بمكة من المسلمين ، بالخروج
إلى المدينة والهجرة إليها ، واللحوق بإخوانهم من الأنصار
، وقال : إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا
تأمنون بها .
فخرجوا أرسالا ، وأقام رسول الله صلى
الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من
مكة ، والهجرة إلى المدينة .
ذكر المهاجرين إلى المدينة
هجرة أبي سلمة وامرأته ، و حديثه عما
لقياه
فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش ، من
بني مخزوم : أبو سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله
بن عمر بن مخزوم ، واسمه : عبدالله ، هاجر إلى المدينة
قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة ، وكان قدم على رسول الله صلى
الله عليه وسلم مكة من أرض الحبشة ، فلما آذته قريش وبلغه
إسلام من أسلم من الأنصار ، خرج إلى المدينة مهاجرا .
قال ابن إسحاق : فحدثني أبي إسحاق بن
يسار ، عن سلمة بن عبدالله ابن عمر بن أبي سلمة ، عن جدته
أم سلمة ، زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : لما
أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني
عليه ، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري ، ثم خرج
بي يقود بي بعيره ، فلما رأته رجال بنى المغيرة بن عبدالله
بن عمر بن مخزوم قاموا إليه ، فقالوا : هذه نفسك
غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتك هذه ؟ علام نتركك تسير
بها في البلاد ؟ قالت : فنـزعوا خطام البعير من
يده ، فأخذوني منه .
قالت : وغضب عند ذلك بنو عبدالأسد ،
رهط أبي سلمة ، فقالوا : لا والله ، لا نترك ابننا
عندها إذ نزعتموها من صاحبنا . قالت : فتجاذبوا
بُنيَّ سلمة بينهم حتى خلعوا يده ، وانطلق به بنو عبدالأسد
، وحبسني بنو المغيرة عندهم ، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى
المدينة . قالت : ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني
.
قالت : فكنت أخرج كل غداة فأجلس
بالأبطح ، فما أزال أبكي ، حتى أمسى سنة أو قريبا منها حتى
مر بي رجل من بني عمي ، أحد بني المغيرة ، فرأى ما بي
فرحمنى فقال لبني المغيرة : ألا تخُرجون هذه المسكينة
، فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها ! قالت :
فقالوا لي : الحقي بزوجك إن شئت . قالت : و
ردَّ بنو عبدالأسد إلي عند ذلك ابني .
قالت : فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني
فوضعته في حجري ، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة . قالت
: وما معي أحد من خلق الله . قالت : فقلت
: أتبلَّغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي ؛ حتى إذا كنت
بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، أخا بني
عبدالدار ، فقال لي : إلى أين يا بنت أبي أمية ؟
قالت : فقلت : أريد زوجي بالمدينة . قال :
أوما معك أحد ؟ قالت : فقلت : لا والله ، إلا
الله وبُني هذا ، قال : والله ما لك من مترك ، فأخذ
بخطام البعير ، فانطلق معي يهوي بي ، فوالله ما صحبت رجلا
من العرب قط ، أرى أنه كان أكرم منه ، كان إذا بلغ المنزل
أناخ بي ، ثم استأخر عني ، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري ،
فحط عنه ، ثم قيده في الشجرة ، ثم تنحى عني إلى شجرة ،
فاضطجع تحتها ، فإذا دنا الرواح ، قام إلى بعيري فقدمه
فرحله ، ثم استأخر عني ، وقال : اركبي . فإذا ركبت
واستويت على بعيري أتى فأخذه بخطامه ، فقاده ، حتى ينزل بي
. فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة ، فلما نظر
إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء ، قال : زوجك في هذه
القرية - وكان أبو سلمة بها نازلا - فادخليها على بركة
الله ، ثم انصرف راجعا إلى مكة .
قال : فكانت تقول : والله ما
أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة ، وما
رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة .
هجرة عامر بن ربيعة و زوجه ، وهجرة بني
جحش
قال ابن إسحاق : ثم كان أول من قدمها
من المهاجرين بعد أبي سلمة : عامر بن ربيعة ، حليف بني
عدي بن كعب ، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم بن
عبدالله بن عوف بن عبيد بن عدي بن كعب . ثم عبدالله بن
جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم ابن
دودان بن أسد بن خزيمة ، حليف بني أمية بن عبد شمس ، احتمل
بأهله وبأخيه عبد بن جحش ، وهو أبو أحمد - وكان أبو أحمد
رجلا ضرير البصر ، وكان يطوف مكة ، أعلاها وأسفلها ، بغير
قائد ، وكان شاعرا ، وكانت عنده الفرعة بنت أبي سفيان بن
حرب ، وكانت أمه أميمة بنت عبدالمطلب بن هاشم - فغُلِّقت
دار بني جحش هجرة ، فمر بها عتبة بن ربيعة ، والعباس بن
عبدالمطلب ، وأبو جهل ابن هشام بن المغيرة ، وهي دار أبان
بن عثمان اليوم التي بالردم ، وهم مصعدون إلى أعلى مكة ،
فنظر إليها عتبة بن ربيعة تخفق أبوابها يبابا ، ليس فيها
ساكن ، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء ، ثم قال :
وكل دار وإن طالت سلامتها * يوما ستدركها
النكباء والحُوب
قال ابن هشام : وهذا البيت لأبي دؤاد
الإيادي في قصيدة له . والحوب : التوجع ، و هو في
موضع آخر : الحاجة ؛ و يقال : الحوب : الإثم
.
قال ابن إسحاق : ثم قال عتبة بن
ربيعة : أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها ! فقال
أبو جهل : وما تبكي عليه من قُلّ بن قُلّ .
قال ابن هشام : القل : الواحد
. قال لبيد بن ربيعة :
كل بني حرة مصيرهم * قُلّ وإن أكثرت من
العددِ
قال ابن إسحاق : ثم قال : هذا
عمل ابن أخي هذا ، فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وقطع بيننا
. فكان منزل أبي سلمة بن عبدالأسد ، وعامر بن ربيعة ،
وعبدالله بن جحش ، وأخيه أبي أحمد بن جحش ، على مبشر بن
عبدالمنذر بن زنبر بقباء ، في بني عمرو بن عوف ، ثم قدم
المهاجرون أرسالا ، وكان بنو غنم بن دوادن أهل إسلام ، قد
أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرة
رجالهم ونساؤهم : عبدالله بن جحش ، وأخوه أبو أحمد بن
جحش ، وعُكَّاشة بن محصن ، وشجاع ، وعقبة ، ابنا وهب ،
وأربد بن حُمَيِّرة .
قال ابن هشام : ويقال : ابن
حُمَيْرَة .
هجرة بعض الرجال ونسائهم
قال ابن إسحاق : ومنقذ بن نباتة ،
وسعيد بن رقيش ، ومحرز بن نضلة ، ويزيد بن رقيش ، وقيس بن
جابر ، وعمرو بن محصن ، ومالك بن عمرو ، وصفوان بن عمرو ،
وثقف بن عمرو ، وربيعة بن أكثم ، والزبير بن عبيد ، وتمام
بن عبيدة ، وسخبرة بن عبيدة ، ومحمد بن عبدالله بن جحش
.
هجرة نسائهم
ومن نسائهم : زينب بنت جحش ، وأم
حبيب بنت جحش ، وجذامة بنت جندل ، وأم قيس بنت محصن ، وأم
حبيب بنت ثمامة ، وآمنة بنت رقيش ، وسخبرة بنت تميم ،
وحمنة بنت جحش .
شعر أبي أحمد بن جحش في هجرة بني أسد
وقال أبو أحمد بن جحش بن رئاب ، وهو يذكر
هجرة بني أسد بن خزيمة من قومه إلى الله تعالى وإلى رسوله
صلى الله عليه وسلم ، وإيعابهم في ذلك حين دُعوا إلى
الهجرة :
ولو حلفت بين الصفا أم أحمد * ومروتها
بالله برت يمينها
لنحن الأُلى كنا بها ثم لم نزل * بمكة
حتى عاد غثا سمينها
بها خيمت غنم بن دودان وابتنت * وما إن
غدت غنم وخفّ قطينها
إلى الله تغدو بين مثنى وواحد * ودين
رسول الله بالحق دينها
وقال أبو أحمد بن جحش أيضا :
لما رأتني أم أحمد غاديا بذمة * من أخشى
بغيب وأرهبُ
تقول : فإما كنت لا بد فاعلا * فيمم
بنا البلدان ولتنأ يثرب
فقلت لها : بل يثرب اليوم وجهنا *
وما يشإِ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي والرسول ومن يُقم * إلى
الله يوما وجهه لا يخُيَّب
فكم قد تركنا من حميم مناصح * وناصحة
تبكي بدمع وتندب
ترى أن وترا نأينا عن بلادنا * ونحن نرى
أن الرغائب تطلب
دعوت بني غنم لحقن دمائهم * وللحق لما
لاح للناس ملحب
أجابوا بحمد لله لما دعاهم * إلى الحق
داع والنجاح فأوعبوا
وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى * أعانوا
علينا بالسلاح وأجلبوا
كَفوجَيْن : أما منهما فموفَّق * على
الحق مهدي ، وفوج معذب
طغوا وتمنوا كذبة وأزلهَّم * عن الحق
إبليس فخابوا وخُيِّبوا
ورِعْنا إلى قول النبي محمد * فطاب ولاة
الحق منا وطُيبوا
نَمُتُّ بأرحام إليهم قريبة * ولا قرب
بالأرحام إذ لا نُقرَّب
فأي ابن أخت بعدنا يأمنَّنكم * وأية صهر
بعد صهريَ تُرقبُ
ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا * وزُيِّل
أمر الناس للحق أصوب
قال ابن هشام : قوله : (
ولتنأ يثرب ) ، وقوله : ( إذ لا نقرب ) ،
عن غير ابن إسحاق .
قال ابن هشام : يريد بقوله :
( إذ ) إذا ، كقول الله عز وجل : (
إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ) . قال
أبو النجم العجلي :
ثم جزاه الله عنا إذ جزى * جنات عدن في
العلاليِّ والعُلا
هجرة عمر وقصة عياش وهشام معه
قال ابن إسحاق : ثم خرج عمر بن
الخطاب ، وعياش بن أبي ربيعة المخزومي ، حتى قدما المدينة
. فحدثني نافع مولى عبدالله بن عمر ، عن عبدالله بن
عمر ، عن أبيه عمر بن الخطاب ، قال : اتعدت ، لما
أردنا الهجرة إلى المدينة ، أنا وعياش بن أبي ربيعة ،
وهشام بن العاصي بن وائل السهمي التَّناضِبَ من أضاة بني
غفار ، فوق سَرِف ، وقلنا : أينا لم يصبح عندها فقد
حُبس فليمض صاحباه . قال : فأصبحت أنا وعياش بن
أبي ربيعة عند التناضب ، وحبس عنا هشام ، وفُتن فافتتن
.
أبو جهل و الحارث يغرران بعياش بن أبي
ربيعة
فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن
عوف بقباء ، وخرج أبو جهل ابن هشام والحارث بن هشام إلى
عياش بن أبي ربيعة ، وكان ابنَ عمهما وأخاهما لأمهما ، حتى
قدما علينا المدينة ، ورسول الله صلى عليه وسلم بمكة ،
فكلماه وقالا : إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط
حتى تراك ، ولا تستظل من شمس حتى تراك ، فرق لها ، فقلت له
: يا عياش ، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن
دينك فاحذرهم ، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت ، ولو
قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت ، قال : فقال : أبر
قسم أمي ، و لي هنالك مال فآخذه . قال : فقلت
: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا ، فلك نصف
مالي ولا تذهب معهما . قال : فأبى علي إلا أن يخرج
معهما ؛ فلما أبى إلا ذلك ؛ قال : قلت له : أما إذ
قد فعلت ما فعلت ، فخذ ناقتي هذه ، فإنها ناقة نجيبة ذلول
، فالزم ظهرها ، فإن رابك من القوم ريب ، فانج عليها .
فخرج عليه معهما ، حتى إذا كانوا ببعض
الطريق ، قال له أبو جهل : يا ابن أخي ، والله لقد
استغلظت بعيري هذا ، أفلا تُعْقبني على ناقتك هذه ؟
قال : بلى . قال : فأناخ ، وأناخا ليتحول
عليها ، فلما استووا بالأرض عدوا عليه ، فأوثقاه وربطاه ،
ثم دخلا به مكة ، وفتناه فافتتن .
قال ابن إسحاق : فحدثني به بعض آل
عياش بن أبي ربيعة : أنهما حين دخلا به مكة دخلا به
نهارا موثقا ، ثم قالا : يا أهل مكة ، هكذا فافعلوا
بسفهائكم ، كما فعلنا بسفيهنا هذا .
كتاب عمر إلى هشام بن العاصي
قال ابن إسحاق : وحدثني نافع ، عن
عبدالله بن عمر ، عن عمر في حديثه ، قال : فكنا نقول
: ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة ،
قوم عرفوا الله ، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم !
قال : وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم .
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
المدينة ، أنزل الله تعالى فيهم ، وفي قولنا وقولهم
لأنفسهم : (
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة
الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا ، إنه هو الغفور الرحيم
. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم
العذاب ثم لا تنصرون . واتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من
ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون )
.
قال عمر بن الخطاب : فكتبتها بيدي في
صحيفة ، وبعثت بها إلى هشام بن العاصي ، قال : فقال
هشام بن العاصي : فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طُوى ،
أُصعِّد بها فيه وأصوب ولا أفهمها ، حتى قلت : اللهم
فهمنيها . قال : فألقى الله تعالى في قلبي إنما
أنزلت فينا ، وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا .
قال : فرجعت إلى بعيري ، فجلست عليه ، فلحقت برسول
الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة .
خروج الوليد بن الوليد إلى مكة في أمر
عياش وهشام
قال ابن هشام : فحدثني من أثق به
: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ، وهو بالمدينة
: من لي بعياش بن أبي ربيعة ، وهشام بن العاصي ؟
فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة : أنا لك يا رسول
الله بهما ، فخرج إلى مكة ، فقدمها مستخفيا ، فلقي امرأة
تحمل طعاما ، فقال لها : أين تريدين يا أمة الله ؟
قالت : أريد هذين المحبوسين - تعنيهما - فتبعها حتى
عرف موضعهما ، وكانا محبوسين في بيت لا سقف له ؛ فلما أمسى
تسور عليهما ، ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ، ثم ضربهما
بسيفه فقطعهما ، فكان يقال لسيفه : ( ذو المروة
) لذلك ، ثم حملهما على بعيره ، وساق بهما ، فعثر
فدميت أصبعه ، فقال :
هل أنت إلا أصبع دميتِ * وفي سبيل الله
ما لقيتِ
ثم قدم بهما على رسول الله صلى الله عليه
وسلم المدينة .
منازل المهاجرين بالمدينة
منزل عمر وأخيه ، وعمرو وعبدالله ابني
سراقة ، وخنيس بن حذافة ، وبني البكير
قال ابن اسحاق : ونزل عمر بن الخطاب
حين قدم المدينة ومن لحق به من أهله وقومه ، وأخوه زيد بن
الخطاب ؛ وعمرو وعبدالله ابنا سراقة ابن المعتمر وخنيس بن
حذافة السهمي - وكان صهره على ابنته حفصة بنت عمر ، فخلف
عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده - وسعيد بن زيد
عمرو بن نفيل ؛ وواقد بن عبدالله التميمي ، حليف لهم ؛
وخولي بن أبي خولي ؛ ومالك بن أبي خولي ، حليفان لهم .
قال ابن هشام : أبو خولي : من
بني عجل بن لجيم بن صعب بن علي ابن بكر بن وائل .
قال ابن إسحاق : وبنو البكير أربعتهم
: إياس بن البكير ، وعاقل بن البكير ، وعامر بن البكير
، وخالد بن البكير ، وحلفاؤهم من بني سعد ابن ليث ، على
رفاعة بن عبدالمنذر بن زنبر ، في بني عمرو بن عوف بقباء ،
وقد كان منزل عياش بن أبي ربيعة معه عليه حين قدما المدينة
.
منزل طلحة وصهيب
ثم تتابع المهاجرون ، فنزل طلحة بن عبيد
الله بن عثمان ، وصهيب بن سنان ، على خبيب بن إساف ، أخي
بلحارث بن الخزرج بالسُّنْح . ويقال : بل نزل
طلحة بن عبيد الله على أسعد بن زرارة ، أخي بني النجار
.
قال ابن هشام : وذُكر لي عن أبي
عثمان النهدي ، أنه قال : بلغني أن صهيبا حين أراد
الهجرة قال له كفار قريش : أتيتنا صعلوكا حقيرا ، فكثر
مالك عندنا ، وبلغت الذي بلغت ، ثم تريد أن تخرج بمالك
ونفسك ، والله لا يكون ذلك ؛ فقال لهم صهيب : أرأيتم
إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي ؟ قالوا : نعم
. قال : فإني جعلت لكم مالي . قال : فبلغ
ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ربح صهيب ،
ربح صهيب .
منزل حمزة وزيد وأبي مرثد وابنه وأنسة
وأبي كبشة
قال ابن إسحاق : ونزل حمزة بن
عبدالمطلب ، وزيد بن حارثة ، وأبو مرثد كنَّاز بن حصن
.
- قال ابن هشام : ويقال : ابن
حصين - وابنه مرثد الغنويان ، حليفا حمزة بن عبدالمطلب ،
وأنسة ، وأبو كبشة ، موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم
، على كلثوم بن هدم ، أخي بني عمرو بن عوف بقباء ، ويقال
: بل نزلوا على سعد بن خيثمة ؛ ويقال : بل نزل
حمزة بن عبدالمطلب على أسعد بن زرارة ، أخي بني النجار
. كل ذلك يقال .
منزل عبيدة وأخيه الطفيل والحصين وغيرهم
ونزل عبيدة بن الحارث بن المطلب ، وأخوه
الطفيل بن الحارث ، والحصين بن الحارث ، ومسطح بن أثاثة بن
عباد بن المطلب ، وسويبط بن سعد بن حريملة ، أخو بني
عبدالدار ، وطليب بن عمير ، أخو بني عبد بن قصي ، وخباب ،
مولى عتبة بن غزوان ، على عبدالله بن سلمة ، أخي بَلْعجلان
بقباء .
منزل عبدالرحمن بن عوف
ونزل عبدالرحمن بن عوف في رجال من
المهاجرين على سعد بن الربيع أخي بلحارث بن الخزرج ، في
دار بلحارث بن الخزرج .
منزل الزبير وأبي سبرة
ونزل الزبير بن العوام ، وأبو سبرة بن
أبي رهم بن عبدالعزى ، على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة
بن الجلاح بالعصبة ، دار بني جحجبى .