نزول
( ولقد استهزىء برسل من قبلك )
مقالة الوليد و صحبه ، و نزول هذه الآية
قال ابن إسحاق : ومر رسول الله صلى الله عليه
وسلم - فيما بلغني - بالوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، وبأبي
جهل بن هشام ، فهمزوه واستهزءوا به ، فغاظه ذلك . فأنزل الله
تعالى عليه في ذلك من أمرهم : (
ولقد استهزىء برسل من قبلك ، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به
يستهزءون ) .
ذكر
الإسراء والمعراج
قال ابن هشام : حدثنا زياد بن عبدالله
البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال : ثم أسري برسول الله
صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وهو بيت
المقدس من إيلياء ، وقد فشا الإسلام بمكة في قريش ، وفي القبائل
كلها .
قال ابن إسحاق : كان من الحديث فيما بلغني عن
مسراه صلى الله عليه وسلم ، عن عبدالله بن مسعود ، وأبي سعيد
الخدري ، وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعاوية بن أبي
سفيان ، والحسن بن أبي الحسن البصري ، وابن شهاب الزهري ، وقتادة
وغيرهم من أهل العلم ، وأم هانئ بنت أبي طالب ، ما اجتمع في هذا
الحديث ، كل يحدث عنه بعض ما ذكر من أمره حين أُسري به صلى الله
عليه وسلم ، وكان في مسراه ، وما ذكر عنه بلاء وتمحيص ، وأمر من
أمر الله عز وجل في قدرته وسلطانه ، فيه عبرة لأولي الألباب ، وهدى
ورحمة وثبات لمن آمن وصدق ، وكان من أمر الله سبحانه وتعالى على
يقين ، فأسرى به سبحانه وتعالى كيف شاء ، ليريه من آياته ما أراد ،
حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم ، وقدرته التي يصنع بها
ما يريد .
رواية عبدالله بن مسعود عن الإسراء
فكان عبدالله بن مسعود - فيما بلغني عنه - يقول
:
أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق - وهي
الدابة التي كانت تحُمل عليها الأنبياء قبله ، تضع حافرها في منتهى
طرفها - فحُمل عليها ، ثم خرج به صاحبه ، يرى الآيات فيما بين
السماء والأرض ، حتى انتهى إلى بيت المقدس ، فوجد فيه إبراهيم
الخليل وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جمُعوا له ، فصلى بهم
. ثم أُتي بثلاثة آنية ، إناء فيه لبن ، وإناء فيه خمر ، وإناء
فيه ماء . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
فسمعت قائلا يقول حين عُرضت علي : إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته
، وإن أخذ الخمر غوى وغوت أمته ، وإن أخذ اللبن هُدي وهديت أمته
. قال : فأخذت إناء اللبن ، فشربت منه ، فقال لي جبريل
عليه السلام : هُديت وهديت أمتك يا محمد .
رواية
الحسن عن مسراه صلى الله عليه و سلم
قال ابن إسحاق : وحُدثت عن الحسن أنه قال
: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينا أنا نائم في
الحجر ، إذ جاءني جبريل ، فهمزني بقدمه ، فجلست فلم أر شيئا ، فعدت
إلى مضجعي ، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه ، فجلست ولم أر شيئا ،
فعدت إلى مضجعي ، فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه ، فجلست ، فأخذ
بعضدي ، فقمت معه ، فخرج بي إلى باب المسجد ، فإذا دابة أبيض ، بين
البغل والحمار ، في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه ، يضع يده في
منتهى طرفه ، فحملني عليه ، ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته .
رواية
قتادة عن مسراه صلى الله عليه و سلم
قال ابن إسحاق : وحُدثت عن قتادة أنه قال
: حُدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما دنوت
منه لأركبه شَـمَس ، فوضع جبريل يده على مَعرفته ، ثم قال :
ألا تستحي يا براق مما تصنع ، فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد
أكرم عليه منه . قال : فاستحيا حتى ارفضّ عرقا ، ثم قر حتى
ركبته .
عودة
إلى رواية الحسن
قال الحسن في حديثه : فمضى رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، ومضى جبريل عليه السلام معه ، حتى انتهى به إلى
بيت المقدس ، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء ،
فأمَّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ، ثم أُتي بإناءين
، في أحدهما خمر ، وفي الآخر لبن .
قال : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم
إناء اللبن ، فشرب منه ، وترك إناء الخمر . قال : فقال له
جبريل : هديت للفطرة ، وهديت أمتك يا محمد ، وحرمت عليكم الخمر
. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، فلما أصبح
غدا على قريش فأخبرهم الخبر . فقال أكثر الناس : هذا والله
الإمْر البين ، والله إن العير لتطرد ، شهرا من مكة إلى الشام
مدبرة ، وشهرا مقبلة ، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ، ويرجع إلى
مكة ! قال : فارتد كثير ممن كان أسلم ، وذهب الناس إلى أبي
بكر ، فقالوا له : هل لك يا أبا بكر في صاحبك ، يزعم أنه قد
جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة . قال :
فقال لهم أبو بكر : إنكم تكذبون عليه ؛ فقالوا : بلى ، ها
هو ذاك في المسجد يحدث به الناس ؛ فقال أبو بكر : والله لئن
كان قاله لقد صدق ، فما يُعجبكم من ذلك ! فوالله إنه ليخبرني
أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو
نهار فأصدّقه ، فهذا أبعد مما تعجبون منه ، ثم أقبل حتى انتهى إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا نبي الله ، أحدثت
هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة ؟ قال : نعم ؛
قال : يا نبي الله ، فصفه لي ، فإني قد جئته - قال الحسن :
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فرُفع لي حتى نظرت إليه -
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر ، ويقول أبو بكر
: صدقت ، أشهد أنك رسول الله ، كلما وصف له منه شيئا ، قال
: صدقت ، أشهد أنك رسول الله ، حتى إذا انتهى ، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : وأنت يا أبا بكر الصديق ؛
فيومئذ سماه الصديق .
قال الحسن : وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن
إسلامه لذلك : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة
للناس ، والشجرة الملعونة في القرآن ، ونخوفهم ، فما يزيد إلا
طغيانا كبيرا ) .
فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله صلى الله عليه
وسلم . وما دخل فيه من حديث قتادة .
رواية
عائشة عن مسراه صلى الله عليه و سلم
قال ابن إسحاق : حدثني بعض آل أبي بكر :
أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول : ما فُقد
جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن الله أسرى بروحه .
رواية معاوية عن مسراه صلى الله عليه و سلم
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن
المغيرة بن الأخنس : أن معاوية بن أبي سفيان ، كان إذا سئل عن
مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : كانت رؤيا من الله
تعالى صادقة .
جواز
أن يكون الإسراء رؤيا
فلم يُنكر ذلك من قولهما ، لقول الحسن : إن
هذه الآية نزلت في ذلك ، قول الله تبارك وتعالى : (
وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) ،
ولقول الله تعالى في الخبر عن إبراهيم عليه السلام إذ قال لابنه
: (
يا بُنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك ) ثم مضى على
ذلك . فعرفت أن الوحي من الله يأتي الأنبياء أيقاظا ونياما
.
قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم - فيما بلغني - يقول : تنام عيناي وقلبي يقظان .
والله أعلم أي ذلك كان قد جاءه ، وعاين فيه ما عاين ، من أمر الله
، على أي حاليه كان : نائما ، أو يقظان ، كل ذلك حق وصدق .
وصفه
صلى الله عليه وسلم لإبراهيم وموسى وعيسى
قال ابن إسحاق : وزعم الزهرى عن سعيد بن
المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف لأصحابه إبراهيم وموسى
وعيسى حين رآهم في تلك الليلة ، فقال : أما إبراهيم ، فلم أر
رجلا أشبه قط بصاحبكم ، ولا صاحبكم أشبه به منه ؛ وأما موسى ، فرجل
آدم طويل ضرب جعد أقنى كأنه من رجال شنوءة ؛ وأما عيسى بن مريم ،
فرجل أحمر ، بين القصير والطويل ، سبط الشعر ، كثير خِيلان الوجه ،
كأنه خرج من ديماس ، تخال رأسه يقطر ماء ، وليس به ماء ، أشبه
رجالكم به عروة بن مسعود الثقفي .
علي
يصف الرسول صلى الله عليه وسلم
قال ابن هشام : وكانت صفة رسول الله صلى الله
عليه وسلم فيما ذكر عمر مولى غفرة عن إبراهيم بن محمد بن علي بن
أبي طالب ، قال : كان علي بن أبي طالب عليه السلام ، إذا نعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لم يكن بالطويل الممغَّط ،
ولا القصير المتردد . وكان ربعة من القوم ، ولم يكن بالجعد
القطط ولا السبط ، كان جعدا رجلا ، ولم يكن بالمطهَّم ولا المكلثم
، وكان أبيض مشربا ، أدعج العينين ، أهدب الأشفار ، جليل المشاش
والكتد ، دقيق المسربة ، أجرد شَثْن الكفين والقدمين ، إذا مشى
تقلع ، كأنما يمشي في صبب ، وإذا التفت التفت معا ، بين كتفيه خاتم
النبوة ، وهو صلى الله عليه و سلم خاتم النبيين ، أجود الناس كفا ،
وأجرأ الناس صدرا ، وأصدق الناس لهجة ، وأوفى الناس ذمة ، وألينهم
عريكة ، وأكرمهم عشرة ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه أحبه ، يقول
ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله ، صلى الله عليه وسلم .
رواية
أم هانئ عن الإسراء
قال محمد بن إسحاق : وكان فيما بلغني عن أمر
هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها ، واسمها هند ، في مسرى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، أنها كانت تقول : ما أُسري برسول الله
صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي ، نام عندي تلك الليلة في بيتي
، فصلى العشاء الآخرة ، ثم نام ونمنا ، فلما كان قبيل الفجر
أهبَّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما صلى الصبح وصلينا معه
، قال : يا أم هانىء ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت
بهذا الوادي ، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ، ثم قد صليت صلاة
الغداة معكم الآن كما ترين ، ثم قام ليخرج ، فأخذت بطرف ردائه ،
فتكشَّف عن بطنه كأنه قُبطية مطوية ، فقلت له : يا نبي الله ،
لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك ؛ قال : والله لأحدثنهموه
.
قالت : فقلت لجارية لي حبشية : ويحك
اتبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسمعي ما يقول للناس ، وما
يقولون له . فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس
أخبرهم ، فعجبوا وقالوا : ما آية ذلك يا محمد ؟ فإنا لم
نسمع بمثل هذا قط ؛ قال : آية ذلك أني مررت بعير بني فلان
بوادي كذا وكذا ، فأنفرهم حس الدابة ، فندَّ لهم بعير ، فدللتهم
عليه ، وأنا موجَّه إلى الشام .
ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان
، فوجدت القوم نياما ، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء ،
فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ، ثم غطيت عليه كما كان ؛ وآية ذلك أن
عيرهم الآن يصوب من البيضاء ، ثنية التنعيم ، يقدمها جمل أورق ،
عليه غرارتان ، إحداهما سوداء ، والآخرى برقاء . قالت :
فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أولُ من الجمل كما وصف لهم ،
وسألوهم عن الإناء ، فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءا ماء ثم غطوه ،
وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه ، ولم يجدوا فيه ماء . وسألوا
الآخرين وهم بمكة ، فقالوا : صدق والله ، لقد أُنْفرنا في
الوادي الذي ذكر ، وندّ لنا بعير ، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه ،
حتى أخذناه .
قصة
المعراج
الرسول
صلى الله عليه وسلم يصعد إلى السماء الأولى ( حديث الخدري عن
المعراج )
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : لما فرغت مما كان في بيت المقدس ، أُتي
بالمعراج ، ولم أر شيئا قط أحسن منه ، وهو الذي يمد إليه ميتكم
عينيه إذا حُضر ، فأصعدني صاحبي فيه ، حتى انتهى بي إلى باب من
أبواب السماء ، يقال له : باب الحفظة ، عليه ملك من الملائكة ،
يقال له : إسماعيل ، تحت يديه اثنا عشر ألف ملك ، تحت يدي كل
ملك منهم اثنا عشر ألف ملك - قال : يقول رسول الله صلى الله
عليه وسلم حين حدث بهذا الحديث : وما يعلم جنود ربك إلا هو -
فلما دُخل بي ، قال : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا
محمد . قال : أوقد بعث ؟ قال : نعم . قال
: فدعا لي بخير ، وقاله .
صفة
مالك خازن النار
قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم عمن
حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : تلقتني
الملائكة حين دخلت السماء الدنيا ، فلم يلقني ملك إلا ضاحكا
مستبشرا ، يقول خيرا ويدعو به ، حتى لقيني ملك من الملائكة ، فقال
مثل ما قالوا ، ودعا بمثل ما دعوا به ، إلا أنه لم يضحك ، ولم أر
منه من البشر مثل ما رأيت من غيره ، فقلت لجبريل : يا جبريل من
هذا الملك الذي قال لي كما قالت الملائكة ولم يضحك إلي ، ولم أر
منه من البشر مثل الذي رأيت منهم ؟ قال : فقال لي جبريل
: أما إنه لو ضحك إلى أحد كان قبلك ، أو كان ضاحكا إلى أحد
بعدك ، لضحك إليك ، ولكنه لا يضحك ، هذا مالك صاحب النار .
من
صفات جهنم أعاذنا الله منها
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقلت
لجبريل ، وهو من الله تعالى بالمكان الذي وصف لكم (
مطاع ثم أمين ) : ألا تأمره أن يُريني النار
؟ فقال : بلى ، يا مالك ، أرِ محمدا النار . قال :
فكشف عنها غطاءها ، فقال : ففارت وارتفعت ، حتى ظننت لتأخذن ما
أرى . قال : فقلت لجبريل : يا جبريل ، مُرْه فليردها
إلى مكانها . قال : فأمره ، فقال لها : اخبي ، فرجعت
إلى مكانها الذي خرجت منه . فما شبَّهت رجوعها إلا وقوع الظل
. حتى إذا دخلت من حيث خرجت رد عليها غطاءها .
عرض
الأرواح على آدم عليه السلام ، ( و عود إلى حديث الخدري عن
المعراج )
و قال أبو سعيد الخدري في حديثه : إن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال : لما دخلت السماء الدنيا ، رأيت
بها رجلا جالسا تُعرض عليه أرواح بني آدم ، فيقول لبعضها إذا عُرضت
عليه خيرا ويُسّر به ، ويقول : روح طيبة خرجت من جسد طيب ؛
ويقول لبعضها إذا عُرضت عليه : أف ، ويعبس بوجهه ويقول :
روح خبيثة خرجت من جسد خبيث . قال : قلت : من هذا
جبريل ؟ قال : هذا أبوك آدم ، تعرض عليه أرواح ذريته ،
فإذا مرت به روح المؤمن منهم سر بها . وقال : روح طيبة
خرجت من جسد طيب . وإذا مرت به روح الكافر منهم أفَّف منها
وكرهها ، وساءه ذلك ، وقال : روح خبيثة خرجت من جسد خبيث .
صفة
أكلة أموال اليتامى ظلما
قال : ثم رأيت رجالا لهم مشافر كمشافر الإبل
، في أيديهم قطع من نار كالأفهار ، يقذفونها في أفواههم ، فتخرج من
أدبارهم . فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء
أكلة أمول اليتامى ظلما .
صفة
أكلة الربا
قال : ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط
بسبيل آل فرعون ، يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يُعرضون على
النار ، يطئونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك . قال
: قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلة
الربا .
صفة
الزناة من بني آدم
قال : ثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم ثـمين
طيب ، إلى جنبه لحم غث منتن ، يأكلون من الغث المنتن ، ويتركون
السمين الطيب . قال : قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟
قال : هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء ، ويذهبون
إلى ما حرم الله عليهم منهن .
من
نسبت ابنا لزوجها من غيره
قال : ثم رأيت نساء معلقات بثديهنّ ، فقلت
: من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء اللاتي أدخلن على
الرجال من ليس من أولادهم .
قال ابن إسحاق : وحدثني جعفر بن عمرو ، عن
القاسم بن محمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : اشتد
غضب الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ، فأكل حرائبهم ،
واطلع على عوراتهم .
صعوده
صلى الله عليه وسلم إلى السماوات الآخرة ، وما رأى منها
ثم رجع إلى حديث أبي سعيد الخدري ، قال : ثم
أصعدني إلى السماء الثانية ، فإذا فيها ابنا الخالة : عيسى بن
مريم ، ويحيى بن زكريا ، قال : ثم أصعدني إلى السماء الثالثة ،
فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر ؛ قال : قلت :
من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا أخوك يوسف ابن يعقوب .
قال : ثم أصعدني إلى السماء الرابعة ، فإذا فيها رجل فسألته
: من هو ؟ قال : هذا إدريس - قال : يقول رسول
الله صلى الله عليه وسلم : ورفعناه مكانا عليا - قال : ثم
أصعدني إلى السماء الخامسة فإذا فيها كهل أبيض الرأس واللحية ،
عظيم العثنون ، لم أر كهلا أجمل منه ؛ قالت : قلت : من هذا
يا جبريل ؟ قال هذا المحبَّب في قومه هارون بن عمران . قال
: ثم أصعدني إلى السماء السادسة ، فإذا فيها رجل آدم طويل أقنى
، كأنه من رجال شنوءة ؛ فقلت له : من هذا يا جبريل ؟ قال
: هذا أخوك موسى بن عمران . ثم أصعدني إلى السماء السابعة
، فإذا فيها كهل جالس على كرسي إلى باب البيت المعمور ، يدخله كل
يوم سبعون ألف ملك ، لا يرجعون فيه إلى يوم القيامة . لم أر
رجلا أشبه بصاحبكم ، ولا صاحبكم أشبه به منه ؛ قال : قلت :
من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا أبوك إبراهيم . قال :
ثم دخل بي الجنة ، فرأيت فيها جارية لعساء ، فسألتها : لمن أنت
؟ وقد أعجبتني حين رأيتها ؛ فقالت : لزيد بن حارثة ،
فبشَّر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة .
فرض
الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : ومن حديث عبدالله بن مسعود
رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغني : أن
جبريل لم يصعد به إلى سماء من السماوات إلا قالوا له حين يستأذن في
دخولها : من هذا يا جبريل ؟ فيقول : محمد ؛ فيقولون
: أوقد بعث إليه ؟ فيقول : نعم ؛ فيقولون : حياه
الله من أخ وصاحب ! حتى انتهى به إلى السماء السابعة ، ثم
انتهى به إلى ربه ، ففرض عليه خمسين صلاة في كل يوم .
موسى
بن عمران عليه السلام يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام سؤال ربه
التخفيف عن أمته في أمر الصلاة
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: فأقبلت راجعا ، فلما مررت بموسى بن عمران ، ونعم الصاحب كان
لكم ، سألني كم فُرض عليك من الصلاة ؟ فقلت : خمسين صلاة
كل يوم ؛ فقال : إن الصلاة ثقيلة ، وإن أمتك ضعيفة ، فارجع إلى
ربك ، فاسأله أن يخفف عنك وعن أمتك . فرجعت فسألت ربي أن يخفف
عني وعن أمتي ، فوضع عني عشرا . ثم انصرفت فمررت على موسى فقال
لي مثل ذلك ؛ فرجعت فسألت ربي ، أن يخفف عني وعن أمتي ، فوضع عني
عشرا . ثم انصرفت فمررت على موسى فقال لي مثل ذلك ؛ فرجعت
فسألت ربي ، فوضع عني عشرا . ثم لم يزل يقول لي مثل ذلك ، كلما
رجعت إليه ، قال : فارجع فاسأل ربك ، حتى انتهيت إلى أن وضع
ذلك عني ، إلا خمس صلوات في كل يوم وليلة . ثم رجعت إلى موسى ،
فقال لي مثل ذلك ، فقلت : قد راجعت ربي وسألته ، حتى استحييت
منه ، فما أنا بفاعل .
فمن أَدَّاهنّ منكم إيمانا بهن ، واحتسابا لهن ،
كان له أجر خمسين صلاة مكتوبة .
المستهزئون
بالرسول ، وكفاية الله أمرهم
قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله
عليه وسلم على أمر الله تعالى صابرا محتسبا ، مؤديا إلى قومه
النصيحة على ما يلقى منهم من التكذيب والأذى و الاستهزاء .
وكان عظماء المستهزئين ، كما حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن
الزبير ، خمسة نفر من قومهم ، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم
.
أسماء
المستهزئين بالرسول من بني أسد
من بني أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب :
الأسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة ، وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم - فيما بلغني - قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه
به ، فقال : اللهم أَعمِ بصره ، وأثكله ولده .
المستهزئون بالرسول من بني زهرة
ومن بني زهرة بن كلاب : الأسود بن عبد يغوث
بن وهب بن عبد مناف بن زهرة .
المستهزئون بالرسول من بني مخزوم
ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة : الوليد بن
المغيرة بن عبدالله بن عمر ابن مخزوم .
المستهزئون بالرسول من بني سهم
ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب : العاص
بن وائل بن هشام .
قال ابن هشام : العاص بن وائل بن هاشم بن
سُعيد بن سهم .
المستهزئون بالرسول من خزاعة
ومن بني خزاعة : الحارث بن الطُّلاطِلة بن
عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن لؤي بن ملكان .
فلما تمادوا في الشر ، وأكثروا برسول الله صلى
الله عليه وسلم الاستهزاء ، أنزل الله تعالى عليه : (
فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ، إنا كفيناك المستهزئين الذين
يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ) .
ما
فعل الله بالمستهزئين
قال ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن رومان ، عن
عروة بن الزبير ، أو غيره من العلماء : أن جبريل أتى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وهم يطوفون بالبيت ، فقام وقام رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى جنبه ، فمر به الأسود بن المطلب ، فرمى في وجهه
بورقة خضراء ، فعمي .
ومر به الأسود بن عبد يغوث ، فأشار إلى بطنه ،
فاستستقى بطنه فمات منه حبنا .
ومر به الوليد بن المغيرة ، فأشار إلى أثر جرح
بأسفل كعب رجله ، كان أصابه قبل ذلك بسنين ، وهو يجر سبله ، وذلك
أنه مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له ، فتعلق سهم من نبله بإزاره
، فخدش في رجله ذلك الخدش ، وليس بشيء ، فانتقض به فقتله .
ومر به العاص بن وائل ، فأشار إلى أخمص رجله وخرج
على حمار له يريد الطائف ، فربض به على شُبارقة ، فدخلت في أخمص
رجله شوكة فقتلته .
ومر به الحارث بن الطلاطلة ، فأشار إلى رأسه ،
فامتخض قيحا ، فقتله .
قصة
أبي أزيهر الدوسي
وصية
الوليد لأولاده
قال ابن إسحاق : فلما حضرت الوليد الوفاة دعا
بنيه ، وكانوا ثلاثة : هشام بن الوليد ، والوليد بن الوليد ،
وخالد بن الوليد ، فقال لهم : أي بني ، أوصيكم بثلاث ، فلا
تضيعوا فيهن دمي في خزاعة فلا تَطُلُّنَّه ، والله إني لأعلم أنهم
منه برآء ، ولكني أخشى أن تُسبوا به بعد اليوم ؛ ورباي في ثقيف ،
فلا تدعوه حتى تأخذوه ؛ وعُقري عند أبي أُزيهر ، فلا يفوتنكم به
. وكان أبو أزيهر قد زوجه بنتا ، ثم أمسكها عنه ، فلم يُدخلها
عليه حتى مات .
عقل
الوليد عند خزاعة
فلما هلك الوليد بن المغيرة ، وثب بنو مخزوم على
خزاعة يطلبون منهم عَقْل الوليد ، وقالوا : إنما قتله سهم
صاحبكم - وكان لبني كعب حلف من بني عبدالمطلب بن هاشم - فأبت عليهم
خزاعة ذلك ، حتى تقاولوا أشعارا ، وغلظ بينهم الأمر - وكان الذي
أصاب الوليد سهمه رجلا من بني كعب بن عمرو ، من خزاعة - فقال
عبدالله بن أبي أمية ابن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم :
ما
قيل من الأشعار في مقتل الوليد
إني زعيم أن تسيروا فتهربوا * وأن تتركوا الظهران
تعوي ثعالبه
وأن تتركوا ماء بجزعة أطرقا * وأن تسألوا :
أي الأراك أطايبه ؟
فإنا أناس لا تُطلّ دماؤنا * ولا يتعالى صاعدا من
نحاربه
وكانت الظهران والأراك منازل بني كعب ، من خزاعة
.
فأجابه الجون بن أبي الجون ، أخو بني كعب بن عمرو
الخزاعي ، فقال :
والله لا نؤتي الوليد ظُلامة * ولما تروا يوما
تزول كواكبه
ويُصرع منكم مُسْمن بعد مسمن * وتُفتح بعد الموت
قسرا مشاربه
إذا ما أكلتم خبزكم و خزيركم * فكلكم باكي الوليد
ونادبه
ثم إن الناس ترادوا وعرفوا أنما يخشى القوم
السُّبة ، فأعطتهم خزاعة بعض العقل ، وانصرفوا عن بعض .
فلما اصطلح القوم قال الجون بن أبي الجون :
وقائلة لما اصطلحنا تعجبا * لما قد حملنا للوليد
وقائل
ألم تُقسموا تُؤتوا الوليد ظُلامة * ولما تروا
يوما كثير البلابل
فنحن خلطنا الحرب بالسلم فاستوت * فأمَّ هواه
آمنا كلُّ راحل
ثم لم ينته الجون بن أبي الجون حتى افتخر بقتل
الوليد ، وذكر أنهم أصابوه ، وكان ذلك باطلا . فلحق بالوليد
وبولده وقومه من ذلك ما حذره ، فقال الجون بن أبي الجون :
ألا زعم المغيرة أن كعبا * بمكة منهمُ قدر كثيرُ
فلا تفخر مغيرة أن تراها * بها يمشي المُعَلْهَج
والمهير
بها آباؤنا وبها وُلدنا * كما أرسى بمثبته ثبير
وما قال المغيرة ذاك إلا * ليعلم شأننا أو يستثير
فإن دم الوليد يُطل إنا * نطل دماء أنت بها خبير
كساه الفاتك الميمون سهما * زُعافا وهو ممتلىء
بهير
فخرّ ببطن مكة مسلحبَّا * كأنه عند وجبته بعير
سيكفيني مِطالَ أبي هشام * صغار جعدة الأوبار
خُور
قال ابن هشام : تركنا منها بيتا واحدا أُقذع
فيه .
مقتل
أبي أزيهر و ثورة بني عبد مناف لذلك
قال ابن إسحاق : ثم عدا هشام بن الوليد على
أبي أزيهر ، وهو بسوق ذي المجاز ، وكانت عند أبي سفيان بن حرب
عاتكة بنت أبي أزيهر - وكان أبو أزيهر رجلا شريفا في قومه - فقتله
بعُقر الوليد الذي كان عنده ، لوصية أبيه إياه ، وذلك بعد أن هاجر
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر ، وأُصيب به من
أصيب من أشراف قريش من المشركين ؛ فخرج يزيد بن أبي سفيان ، فجمع
بني عبد مناف ، وأبو سفيان بذي المجاز ، فقال الناس : أُخفر
أبو سفيان في صهره ، فهو ثائر به .
فلما سمع أبو سفيان بالذي صنع ابنه يزيد - وكان
أبو سفيان رجلا حليما منكرا ، يحب قومه حبا شديدا - انحط سريعا
إلى مكة ، وخشي أن يكون بين قريش حدث في أبي أزيهر ، فأتى ابنه وهو
في الحديد ، في قومه من بني عبد مناف والمطيبين ، فأخذ الرمح من
يده ، ثم ضرب به على رأسه ضربة هده منها ، ثم قال له : قبحك
الله ! أتريد أن تضرب قريشا بعضهم ببعض في رجل من دوس .
سنؤتيهم العقل إن قبلوه ، وأطفأ ذلك الأمر .
فانبعث حسان بن ثابت يحرض في دم أبي أزيهر ،
ويعير أبا سفيان خُفْرَته ويجُبنه ، فقال :
غدا أهل ضوجَىْ ذي المجاز كليهما * وجار ابن حرب
بالمغمس ما يغدو
ولم يمنع العَير الضروط ذماره * وما منعت مخزاة
والدها هند
كساك هشام بن الوليد ثيابه * فأبْلِ وأخلفْ مثلها
جددا بعد
قضى وطرا منه فأصبح ماجدا * وأصبحت رخوا ما تخُب
وما تعدو
فلو أن أشياخا ببدر تشاهدوا * لَبلَّ نعال القوم
مُعتبط وَرْدُ
فلما بلغ أبا سفيان قول حسان قال : يريد حسان
أن يضرب بعضنا ببعض في رجل من دوس ! بئس والله ما ظن !
مطالبة
خالد بربا أبيه ، و ما نزل في ذلك من القرآن
ولما أسلم أهل الطائف كلم رسولَ الله صلى الله
عليه وسلم خالد بن الوليد في ربا الوليد ، الذي كان في ثقيف ، لما
كان أبوه أوصاه به .
قال ابن إسحاق : فذكر لي بعض أهل العلم أن
هؤلاء الآيات من تحريم ما بقي من الربا بأيدي الناس نزلن في ذلك من
طلب خالد الربا : ( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وذروا
ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) .إلى آخر القصة فيها
.
ثورة
دوس للأخذ بثأر أبي أزيهر ، و حديث أم غيلان
ولم يكن في أبي أزيهر ثأر نعلمه ، حتى حجز
الإسلام بين الناس ؛ إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرادس الفهري خرج في
نفر من قريش إلى أرض دوس ، فنزلوا على امرأة يقال لها أم غيلان ،
مولاة لدوس ، وكانت تمشط النساء ، وتجهز العرائس ، فأرادت دوس
قتلهم بأبي أزيهر ، فقامت دونهم أم غيلان ونسوة معها ، حتى منعتهم
، فقال ضرار بن الخطاب في ذلك :
جزى الله عنا أم غيلان صالحا * ونسوتها إذ هنَّ
شُعث عواطلُ
فهن دفعن الموت بعد اقترابه * وقد برزت للثائرين
المقاتل
دعت دعوة دوسا فسالت شعابها * بعز وأدَّتها
الشَّراج القوابل
وعمرا جزاه الله خيرا فما وَنى * وما بردت منه
لدي المفاصل
فجرّدت سيفي ثم قمت بنصله * وعن أي نفس بعد نفسي
أقاتل
قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة : أن
التي قامت دون ضرار أم جميل ، ويقال أم غيلان ؛ قال : ويجوز أن
تكون أم غيلان قامت مع أم جميل فيمن قام دونه .
أم
جميل و عمر بن الخطاب
فلما قام عمر بن الخطاب أتته أم جميل ، وهي ترى
أنه أخوه : فلما انتسبت له عرف القصة ، فقال : إني لست
بأخيه إلا في الإسلام ، وهو غاز ، وقد عرفت مِنَّتك عليه ،
فأعطاها على أنها ابنة سبيل .
ضرار
و عمر بن الخطاب
قال الراوي : قال ابن هشام : وكان ضرار
لحق عمر بن الخطاب يوم أحد ، فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول :
انج يا بن الخطاب لا أقتلك ؛ فكان عمر يعرفها له بعد إسلامه .
وفاة أبي طالب وخديجة ، وما عاناه رسول الله صلى
الله عليه وسلم بعدهما
من
كان يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : وكان النفر الذن يؤذون رسول
الله صلى الله عليه وسلم في بيته : أبا لهب ، والحكم بن العاص
بن أمية ، وعقبة بن أبي معيط ، وعدي بن حمراء الثقفي ، وابن
الأصداء الهذلي ؛ وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي
العاص ، فكان أحدهم - فيما ذكر لي - يطرح عليه صلى الله عليه وسلم
رحم الشاة وهو يصلي ، وكان أحدهم يطرحها في بُرْمته إذا نُصبت له ،
حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا يستتر به منهم إذا صلى
، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طرحوا عليه ذلك الأذى ،
كما حدثني عمر بن عبدالله بن عروة بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ،
يخرج به رسول الله صلى الله عليه وسلم على العود ، فيقف به على
بابه ، ثم يقول : يا بني عبد مناف ، أي جوار هذا ! ثم
يُلقيه في الطريق .
طمع
المشركين في الرسول صلى الله عليه و سلم بعد وفاة أبي طالب و خديجة
قال ابن إسحاق : ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا
طالب هلكا في عام واحد ، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه
وسلم المصائب بهلك خديجة ، وكانت له وزير صدق على الإسلام ، يشكو
إليها ؛ وبهلك عمه أبي طالب ، وكان له عضدا وحرزا في أمره ، ومنعة
وناصرا على قومه ، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين .
فلما هلك أبو طالب ، نالت قريش من رسول الله صلى
الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب ، حتى
اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر على رأسه ترابا .
قال ابن إسحاق : فحدثني هشام بن عروة ، عن
أبيه عروة بن الزبير ، قال :
لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله صلى الله
عليه وسلم ذلك التراب ، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته
والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته ، فجعلت تغسل عنه التراب
وهي تبكي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها : لا تبكي
يا بُنيِّة ، فإن الله مانع أباك . قال : و يقول بين ذلك
: ما نالت مني قريش شيئا أكرهه ، حتى مات أبو طالب .
المشركون يطلبون عهدا بينهم وبين الرسول عند أبي
طالب لما ثقل به المرض
قال ابن إسحاق : ولما اشتكى أبو طالب ، وبلغ
قريشا ثقله ، قالت قريش بعضها لبعض : إن حمزة وعمر قد أسلما ،
وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها ، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب
، فيأخذ لنا على ابن أخيه ، وليعطه منا ، والله ما نأمن أن يبتزونا
أمرنا .
قال ابن إسحاق : فحدثني العباس بن عبدالله بن
معبد بن عباس عن بعض أهله ، عن ابن عباس ، قال : مشوا إلى أبي
طالب فكلموه ؛ وهم أشراف قومه : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن
ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وأبو سفيان بن حرب ، في
رجال من أشرافهم ، فقالوا : يا أبا طالب ، إنك منا حيث قد علمت
، وقد حضرك ما ترى ، وتخوفنا عليك ، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن
أخيك ، فادعه ، فخذ له منا ، وخذ لنا منه ، ليكف عنا ، ونكف عنه ،
وليدعنا وديننا ، وندعه ودينه ؛ فبعث إليه أبو طالب ، فجاءه ، فقال
: يا ابن أخي : هؤلاء أشراف قومك ، قد اجتمعوا لك ، ليعطوك
، وليأخذوا منك .
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: نعم ، كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب ، وتدين لكم بها
العجم . قال : فقال أبو جهل : نعم وأبيك ، وعشر كلمات
؛ قال : تقولون : لا إله إلا الله ، وتخلعون ما تعبدون من
دونه .
قال : فصفقوا بأيديهم ، ثم قالوا : أتريد
يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا ، إن أمرك لعجب ! قال :
ثم قال بعضهم لبعض : إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما
تريدون ، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم ، حتى يحكم الله بينكم
وبينه . قال : ثم تفرقوا .
رجاء الرسول إسلام أبي طالب ، و حديث ذلك
فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم
: والله يا ابن أخي ، ما رأيتك سألتهم شططا ؛ قال : فلما
قالها أبو طالب طمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسلامه ، فجعل
يقول له : أي عم ، فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم
القيامة . قال : فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه
وسلم عليه ، قال : يا ابن أخي ، والله لولا مخافة السبة عليك
وعلي بني أبيك من بعدي ، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من
الموت لقلتها ، لا أقولها إلا لأسرك بها .
قال : فلما تقارب من أبي طالب الموت قال
: نظر العباس إليه يحرك شفتيه ، قال : فأصغى إليه بأذنه ،
قال : فقال : يا ابن أخي ، والله لقد قال أخي الكلمة التي
أمرته أن يقولها ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: لم أسمع .
ما نزل فيمن طلبوا العهد على الرسول عند أبي طالب